قرأت مرة أننا نكون في أفضل حالاتنا حين نتعامل مع الأطفال حيث نتعامل معهم برحمة وتعاطف وتغافل ونجيد بالتأكيد التماس الأعذار لهم لكننا بالتأكيد لا نتعامل مع الجميع بنفس الطريقة وبكل تأكيد لا نتعامل مع أنفسنا بنفس القدر من التسامح. حين يُقبل الطفل على عمر دخول المدرسة، تستثمر العائلة العديد من الوقت والجهد في تهيئته لهذه التجربة، إنّ مشاعره في التعامل مع التعليم في السنوات الأولى يمكن أن تترك أثراً بالغاً في نظرته السلبية أو الإيجابية للمستقبل. ماذا إذاً عن كل المراحل الانتقالية بعد ذلك؟ هل نعيرها نفس القدر من الاهتمام؟ أم أن الشخص البالغ يجب عليه أن يدرك الأمور ببديهية العاقل ويتماشى مع الحياة بصلابة وقوة بعيداً عن هذه المشاعر الطفولية؟

تعب البدايات والتعامل مع الأمور لأول مرة وخوض التجارب الجديدة له تحديات من نوع خاص لا يختلف ذلك في كل الأمور من دراسة أو زواج أو عمل وأي مرحلة انتقالية أو علاقة  والخبرة لاشك لها دور لكنها لاتغني ولا تكفي وأسلوب المسارعة في خوض الأمر دون وعي يأتي بنتائج عكسية تظهر لاحقاً في الغالب. يمكن أن تعتقد أن من جرب الابتعاث مرة أو من بدأ رحلة الدراسات العليا لن تكون المرحلة التالية بالنسبة له بداية حقيقية لأنّ له من الخبرة ما يعينه ويعطيه منظوراً أوسع للأمور لكن الحقيقة أن البدايات كلها بلا استثناء مهما تتالت لا تشبه بعضها البعض وتتطلب منك في كل مرة مهارات متخصصة وتعاطف مع نفسك أولاً، بل وتبدع المراحل بينها في كل بداية بتقديم التحديات لأجل اختبار جاهزيتك للمرحلة القادمة. يصعب عليك في ظلّ التحدي أن تنظر للصورة الأكبر أو أن تجد الهدف مما تفعل، كل ما تقوم به يبدو هدراً للوقت وقد يتمكن اليأس من قلبك لكن لا تقلق أنقل لك تجربتي هنا في بداية رحلة الدكتوراة كي أساعدك قدر المستطاع وأؤكد لك أن ما تمر به في أي مرحلة انتقالية أمر طبيعي تعامل معه بوعي دون تسخيف أو تضخيم واستمع لقلبك أولاً.

فوضى عارمة

بشكل موجز، أدرس الدكتوراة حالياً مع ابنتي دلال التي أكملت عامها الأول في مدينة ليدز في بريطانيا وأتممنا حتى الآن مايقارب سبع أشهر من الغربة.

دعوني أشارككم ماحصل في البداية، بدأ فبراير بفوضى على مختلف الأصعدة، الجامعة لم أنهِ أوراقي معها، الحضانة لم تستقبل دلال بعد، السكن لم يؤثث حتى الآن، المدينة جديدة باردة والجو رياح عاتية لا يساعد بتاتاً على المستوى النفسي. من السهل أن تخبر أحدهم أن الأمور تأخذ وقتها أو أن الصبر مطلوب لكنني كنت متوترة طوال الوقت أحاول مع كل هذا البدء بالبحث والتركيز في دراستي. ورغم أن مشرفي كان يردد علي دائماً أن الموضوع يحتاج لست أشهر على الأقل حتى تتضح الأمور بحثياً، كانت كلماته تزيدني قلقاً وتؤثر عليّ بطريقة عكسية. أظن أن الموضوع أخذ مني تقريباً أربع أشهر حتى بدأت بالاستيعاب والدخول في الروتين وتنظيم الأمور. بعدها أصبح لي وقت واضح للدراسة، ابنتي انتظمت في الحضانة وقد ساعد هذا كثيراً في ترتيب أفكاري ولعل الأصعب أن زوجي لم يكن معنا فكان عليّ أن أتكيف على أسلوب حياة مختلف تماماً من جديد.

تجربتي في الابتعاث ليست الأولى وبالتأكيد فقد اكتسبت مهارات كثيرة من تجربتي السابقة في دراسة الماجستير في لندن وتجاربي المختلفة في التدريس والسفر لكن لكل تجربة جديدة ظروفها الخاصة ولن تكون أنت نفسك حين تخوضها اضافة لزيادة المسؤليات وتنوعها وهذا جعلني في مواقف كثيرة أعتب على نفسي وأراجع الموضوع لأبحث عن حل يساعدني في التأقلم واستعادة السيطرة على الأمور والمحافظة على الهدوء.

ضبط البوصلة

كان لدي اجتماع مع المشرف حيث أعرض عليه للمرة الأولى نموذج من كتابتي، لم يكن نهاراً عادياً أمضيت معظمه أحاول تهدئة نفسي وتجاوز القلق استعداداً لما يمكن أن يخبرني به. حين انتهى الاجتماع عادت الأمور لطبيعتها لكنني قررت بعدها أن التغيير ضروري جداً. لا يمكن أن أعيش هذه المرحلة في توتر مشابه لما كنت عليه في مرحلة البكالوريوس لابد من التغيير.

موضوع القلق متشعب جداً لكنه في أغلبه متعلق بمواقف سابقة وخبرات سلبية متراكمة ارتبطت بمشاعر الخوف أو الرهبة التي تتضاعف ليظهر تأثيرها على الجسد وكأنها مرض عضوي فتسبب ألم في المعدة، دوار أو فقدان الوعي والتركيز. من خلال قراءتي عن الموضوع، لمعالجة القلق عليك العودة لأصل المشاعر، وضع الموقف في حجمه الصحيح وفصل المشاعر السلبية المرتبطة به وهناك العديد من الكتب والدراسات حول الموضوع، أقترح هذا الكتاب وهذا أيضاً إن كنت تبحث عن حل وأنصح بالنسخة الانجليزية وهناك أيضاً قناة مسموعة تناقش مواضيع مشابهة يمكن أن تفيدك.

في حديث مع احدى الزميلات أشارت إلى أن العرب بشكل عام لديهم مشكلة في التعامل مع تقبل النقد بكل صوره وهذا ما يثير قلق أغلب الطلاب وأستطيع أن أقول من تجربتي في تعليم التصميم في الجامعة أن الموضوع وإن لم يكن له صلة مباشرة بالعرب فإنه حتماً ظاهرة حين تتفكر فيها تتساءل عن السبب. مجتمعاتنا ناشئة على الإنتقاد. فقط اطّلع في نهار عادي على صفحة من وسائل التواصل الاجتماعي لترى كمية التعليقات التي تحلل كل شيء وأي شيء في طريقها سواء حدث مهم أو مقطع عابر أو لوحة في الشارع. داخل البيوت ليس بعيداً عن هذا كل شخص له رأي لا يتردد في طرحه والمبادرة في تقديم نصائحه حوله بشكل مبالغ فيه ورغم أن الجميع ينكر كونه ناقداً لكنها حقيقة مزعجة في كثير من الأحيان. لكل شخص رأي في كل شيء خاص أو عام والمشكلة ليست في الرأي بل في طريقة ابداءه للطرف الآخر.

منظومة التعليم لا تساعد أيضاً في هذا الأمر، يمضي الطالب حياته قبل الجامعة يتقبل المديح من معلميه ثم يصدم في الجامعة أن الأسلوب مختلف ولا يتعامل معه بالنقاش أو التعمق بل يمرره ويستمر في ال”حلطمة” عليه حتى تفرج. هذه التراكمات كيف تتوقع أن تخرج منها وأنت موضوعي في تقبل النقد البناء؟ عليك أن تعمل حتى تصل لهذه المرحلة من النضج لأنك في الغالب لن تنشأ عليها.

أقول هذا لأنني أظن أن مشكلتنا في تقبل النقد البناء هي اعتيادنا على رؤية النقد العشوائي وبالتالي تشكلت لنا نظرة سلبية عن الموضوع بشكل عام فلا نستطيع الفصل بين ما يمكن أن يفيدنا أو ما يعتبر وجهة نظر شخصية ونتحسس نتيجة لذلك من الموضوع بأكلمه ونرفضه دون وعي. مهارة تقديم النقد مهارة تُكتسب وتدرس علمياً لها أساسياتها. أظن الحل يكمن في تغيير فكرتك عن كلمة “نقد” وايجاد فكرة أخرى عن الموضوع. أضف لذلك أن النقد يمارس في التعليم الجامعي بصورة مختلفة عن النقد العام وقد تُفاجئ من عدد الوسائل المتخصصة في تأهيل الأكاديمين للتعامل مع طلابهم بهذا الخصوص، تصالح مع الموضوع وإن كانت لك تجارب قليلة سلبية مع أشخاص لا تعمم على التعليم ككل وحاول التعامل مع كل موقف بشكل منفصل.

في أي مرحلة في حياتك أنت فيها عليك أن تفكر كيف تريد أن تنتهي الرحلة؟ نعم هدفي هنا أن أحصل على الشهادة لكنني لا أريد الوصول ليوم التخرج بنفسية متعبة وسلبية متراكمة أو نتائج جسدية متداعية، هذه السنوات هي عمرك الذي تعيشه الآن ولن يبدأ أو ينتهي بعدها عليك أن تعيشها كما تريد لمعنى العيش أن يكون. بالتأكيد هناك ضغط وجهد لامفر منه لكن حين تضع الصحة الجسدية والنفسية نصب عينك تتغير طريقتك في ادراك الأمور غالباً للأفضل. اهتمامك بطعامك، نظام نومك، ترتيب هندامك، نشاطك البدني و جودة حياتك و التجارب التي تمر فيها تنعكس بشكل كبير على شكلك ونفسيتك وتستحق منك الاستثمار والوقت لذا من الضروري في كل البدايات أن تضبط البوصلة.

التعامل مع المشرف

ربما تتلخص مرحلة الدكتوراة كلها في ادارة التوقعات والتعامل بواقعية مع الأمور بصبر ومرونة. المشرف هو أهم عنصر في المرحلة نركز عليه قبل اختيار الجامعة حيث أنه يمكن أن يؤثر بشكل درامي على الموضوع. هناك العديد من قصص الرعب حول الموضوع وهي مفيدة رغم مبالغاتها حيث تجعلك أكثر حرصاً على الاختيار الصحيح. هدفك من المرحلة هو الحصول على الشهادة ودور المشرف مساعدتك في الوصول. المشرف ليس معلمك ولا صديقك أو مرشدك النفسي وربما تحتاج بين الحين والآخر إلى الفضفضة وقد يتجاوب معك لكنّ دوره في الأخير ومسؤولياته تركز على الإشراف فقط. توجيهك للطريق الصحيح، طرح أسئلة تثير فضولك واخبارك حين تظهر المشاكل أو الأمور التي يمكن أن تؤدي إلى مشكلة. الحقيقة أن هناك مشرفين كثر يقومون بأكثر من هذا، يرسلون المراجع المختلفة ويساعدون الطلاب على النشر بشكل فعال ويشركونهم في أدوار مختلفة في المؤسسة التعليمية لكن هذه الأمور اجتهادات شخصية وليست مطلوبة مؤسسياً ويعتمد الكثير منها على أهدافك واقتراحاتك وطلباتك الصريحة منه دون تلميح. من المهم جداً ملاحظة هذه الأمور خصوصاً حين تبدأ بسؤال الطلاب من حولك عن مشرفيهم وتعاملهم أو ترتيب لقاءاتهم، ستجد تنوعاً لا نهاية له يعتمد على متغيرات كثيرة أهمها العبء التدريسي والإداري وعدد الطلاب الذين يشرف عليهم الأستاذ. عليك أن تعرف حدود مسؤوليته حتى تعرف متى يجب عليك في المقابل أن تنتبه للتقصير أو الاتجاه للتغيير في حالات معينة. عليك أن تعرف أن لكل أستاذ شخصيته وأسلوبه الذي اعتاد عليه وتتطلب منك المرحلة أن تستجيب وتتكيف مع ظروف كثيرة ومتغيرات، فهم المشرف من ضمنها.

الكتابة

لعل أصعب تحدي في المرحلة كلها هو البدء بالكتابة. المثالية أكبر عدو لك في هذه المرحلة تخلص منها وحاربها إن احتاج الأمر فلا يمكنك تقديم أفضل ماعندك وأنت تفكر فيها.
في البداية بحثت عن كل الوسائل المتاحة وسألت أغلب من أعرف عن كيفية الكتابة، كيف تنتقل من قراءة مئات المقالات العلمية وتحول كل هذه المصادر لكلام مفهوم بصيغة منطقية؟
هناك العديد من الكتب حول الكتابة البحثية ومقالات مختلفة عن الطريقة العلمية لأداء المهمة لكن القليل منها يقدم لك أمثلة أو طرق عملية للتطبيق. ما وصلت له في النهاية هو أن الكتابة تحدث فقط حين تبدأ بها. أن تفتح الصفحة البيضاء لأول مرة وتحاول تدوين أول جملة مفيدة يبدو مرعباً، لأنك في هذه المرحلة من المشروع لا تعرف بعد التفاصيل ولم تتكون لك الصورة الكاملة لما تريد أن توصله للقارئ بعد. أن تنتظر حتى تعرف كل الأجوبة ليس في صالحك سيكون الوقت قد فات ويصعب عليك استرجاع كل شيء وأن تكتب بأفكار غير مرتبة وأنت لم تنته من قراءة جميع المصادر بعد قد يبدو مستحيلاً لكن الطريقة الوحيدة لترتيب الأفكار هي أن تبدأ. تكتب جملة غير مفهومة وأخرى هنا وهناك حتى تتضح لك الصورة وتصبح مفهومة أكثر. تبدو لك العناوين الآن أوضح عقلك يسترجع المعلومات بسلاسة وتبدأ بربط الأفكار ببعضها ومقارنتها. الكتابة تجعل أفكارك أكثر وضوحاً وتساعد مشرفك في فهم مايدور في عقلك حول الموضوع وحين تبدأ ستندهش لم انتظرت حتى الآن.

Photo by Pixabay on Pexels.com

الاستعداد النفسي

لا يمكن أن أؤكد على هذا الأمر بالقدر الكافي. مرحلة الابتعاث ككل سواء كانت مع مرافق أو بدون، مع أطفال أو لا، تحتاج لاستعداد نفسي ومجهود ضخم لاحتواء المرحلة ورغم وجود عدد هائل من المبتعثين إلا أنه للأسف لا يوجد منصة أو بودكاست أو مؤسسة معنية بشؤونهم النفسية والعائلية في هذه المرحلة. أذكر أنني سألت مرة احدى الزميلات المبتعثات عن علاقة أبناءها المراهقين بوالدهم الذي لا يدرس معهم وكيف تعاملت مع الصعوبات في المرحلة رغبة مني في الاستزادة من تجربتها لكن ردها رسم لي صورة وردية غير واقعية البتة عن الموضوع وهو ما أريد لفت الانتباه له.

قبل أن أبدأ علي أن أوضح أن هناك من يعتقد أن الابتعاث عبارة عن تجربة إيجابية بالكامل، تزور فيها العالم وتهرب من حرارة الشمس والمناظر الصحراوية إلى جنة الله في الأرض تنتهي بدرجة علمية تساعدك في الحصول على ترقية. إنها الحياة في أفضل صورها!
بالطبع تتضمن الرحلة رؤية مناظر جميلة وبالتأكيد هناك تجارب شخصية ثقافية متميزة يعطيك الابتعاث فرصة خوضها، لكن الرحلة أعقد من ذلك بكثير وقد تكشف لك جوانب لم تكن تعرفها في نفسك وتفتح لك نوعاً من المشاعر كنت تعتقد أنه من الماضي. قد تفاجئ حين أخبرك أن أكثر من يفهمني ويتعاطف معي في هذا الموضوع هي جدتي التي جربت الغربة بطريقة مختلفة في شبابها حين تزوجت وانتقلت لمدينة أخرى لتبدأ حياة مختلفة تماماً عن أي شيء تعرفه.

أن تترك كل شيء وكل شخص تعودت عليه من نظام حياة مشتركة وتتحمل مسؤولية كل شيء من منزل ومصاريف وغيرها لوحدك وتقلص علاقاتك الاجتماعية التي ربما كان أساسها لقاءات أسبوعية أو شهرية مع عائلتك إلى لقاء كل ثلاث أشهر على الأقل ومكالمة كل أسبوعين أو محادثة أو غيرها كل هذا لا يمر مرور الكرام ويترك بالتأكيد أثراً نفسياً عليك يختلف طبعاً بحسب ظروفك وطبيعة شخصيتك اضافة للنزاعات التي تواجهها خاصة في البداية من محاولة التأقلم مع الوضع حتى يصبح مألوفاً وتكون لك مفهومك الخاص عن المنزل. أظن أن الابتعاث يلخص العديد من التجارب العميقة في فترة واحدة ويحتاج المرء أن يكون واعياً حتى لا يخرج متضرراً من التجربة. قد لاتملك ردع هذه التغييرات لكن طريقة تعاملك معها بيدك. ووجود عديد من الأشخاص أصحاب القدرة على التأقلم السريع والتكيف لايعني أن الأمر سهل للجميع.

الحالة المادية من الأمور التي تترك أثراً ولا يتحدث عنها الكثير ويعتمد هذا على بلد الابتعاث ودرجة الغلاء فيه لكن بشكل عام حين أجد أحد المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي يروج لشراء منزل في فترة ابتعاثه لا يساعد ذلك في نقل صورة واقعية عن الموضوع بل إن فكرة الادخار وقت الابتعاث أقرب للخيال ويعتمد هذا طبعاً على طبيعة الالتزامات المالية لديك.

ماأريد أن أقوله أن عليك أن تستعد وتدخر قبل بدء المرحلة وبالتأكيد يُصرف لك راتب مجزي حين تقارنه بدخل طالب في السعوية لكن غلاء البلد الذي تدرس فيه يحكم وفي كثير من الأحيان تضطر لدفع الإيجار مقدماً حتى تحصل على سكن بمعايير آمنة. الاستعداد يهيئك كثيراً ويساعدك بشكل واقعي للتعامل مع التحديات المالية.

غالباً ترشح للدراسات العليا لكونك طالب متميز، وأن تعود لمقاعد الدراسة وتتواضع للعلم من جديد ليس بالأمر السهل. أن تعترف أنك لا تعرف شيئاً وأن الخطأ وارد أكثر مما تريد وأنك تحتاج لتعلم مهارات تطبيقية أساسية كنت تعتقد أنك تتقنها يترك أثراً نفسياً ولا شك. تجربة الأشياء الجديدة بشكل عام يصاحبها نوع من الخوف والثقة المهزوزة والسعي لاثبات أنك لم تصل لهذه المرحلة عبث وأنك فعلاً تستحق هذا المكان ومؤهل لهذه التجربة. تريد اثبات نفسك وسماع اطراء أو ثناء على جهدك وربما لا تحصل عليه ليس لأنك مقصر لكن لأن الأمر يحتاج لوقت طويل وجهد وصبر ومثابرة قد تكون فوق احتمالك ويجب عليك أن تتطور في هذا الجانب. وقد يكون ببساطة مشرفك من النوع الذي لا يعرف أو لا يعترف بأهمية التعزيز. عليك أن تكون مستعداً لأنك في هذه الحالة من التغيير المتتابع والمشاعر المتصاعدة والانغماس في البحث والدراسة والانعزال الاجتماعي من السهل جداً أن تدخل في حالة نفسية يصعب الخروج منها.

ماهو المنزل؟

من التحديات التي تواجه أي مغترب هي محاولة تعريف المنزل من جديد. المنزل في صورته المألوفة يشمل العائلة والطعام الشعبي وذكريات الطفولة والأثاث المعتاد. السكن بشكل عام يعني روتين واضح وأماكن مفضلة لقضاء الوقت، طرقات محفوظة ولحظات محفوفة بالأصدقاء. ماذا يحدث حين يختفي هذا وعليك أن تبدأ من جديد؟ من الصدف العجيبة أن موضوع بحثي حالياً يتطرق في أحد جوانبه للمكان وتعريفه وعن أساليب الناس في ربط المفاهيم به. بعضهم سكان وآخرون سياح لكل منهم فكرته المختلفة عن المكان وما يوفره لهم. المتفق عليه باختلاف احتياجاتهم أن علاقتهم بالمكان متغيره وشخصية لدرجة أنها قد لا تتوافق مع نظرة أي شخص آخر وبالاجماع تحتاج للوقت حتى تتشكل وتصقل. أعطِ نفسك وقتاً كافياً للاكتشاف وقد يساعدك احضار شيء من ذكرياتك معك ولا يهم إن كان قطعة أثاث أو نوع بهارات أو أواني أو شيء معنوي أكثر. في النهاية هذه التفاصيل هي ما تميز المكان من كونه مجموعة جدران وسقف أو سكناً.

وقت مستقطع

حين أراجع أيامي أجد أنني أقرأ وأكتب طوال الوقت، أقرأ المقال للمرة الأولى كي أحدد مدى أهميته بالنسبة لموضوعي ثم أقرؤه للمرة الثانية حتى أتمعن في أفكاره وأقارن بينه وبين ما كتب في غيره ثم أقرؤه للمرة الثالثة كي أكتب عنه. أغلب الوقت أقضيه على هذه الحالة في المكتب وبعد عدد من الأسابيع أجد نفسي في حالة من الملل والرتابة غير قادرة على التفكير. هناك العديد من النصائح للتعامل مع الانتاجية والعمل المكتبي من أشهرها طريقة بومودورو. بشكل عام لا تريد أن تصل للملل لأن عقلك حينها لن يستوعب ما تقوم ويمضي الوقت وأنت تعتقد أنك تعمل لكنك في الحقيقة لا تنجز. يساعد كثيراً لتجاوز هذا الأمر توزيع المهام وخلقها في بعض الأحيان وتغيير المواضييع، خصوصاً في مرحلة الدكتوراة حين لايكون هناك مجموعة طلاب يتشاركون المشروع والمحاضرات وورش العمل المتاحة قليلة بالمقارنة مع باقي المراحل الدراسية. مثلاً حين أمل من القراءة في جزئية معينة أنتقل لرسم البيانات أو أقرأ في جزئية أخرى أو أستمع لمقطع عن مراجعة الدراسات السابقة أو نصائح عامة للدراسة وهكذا أحاول أن أنوع كي أبقي عقلي في حالة من التركيز.

من المهم جداً المحافظة على الحركة والنشاط البدني وأجد أنني أستوعب أكثر حين أمارس نوعاً من الرياضة خلال اليوم. مهم أيضاً أن تفعل شيئاً ليس له علاقة بالدراسة. أي نشاط تحبه. قد يكون طبخة جديدة أو رسم أو مشاهدة برنامج غير أكاديمي أو محادثة صديق. القراءة تساعد أيضاً في كسر الروتين ومؤخراً فعّلت الكتب الصوتية على سبيل التغيير لأن القراءة الورقية أصبحت مرتبطة بالدراسة منهكة للعين ووجدت أنها تجربة جيدة في الاجمال غالباً ما أربطها مع نشاط بدني. أياً كان عليك أن تأخذ وقتاً مستقطعاً من العمل وإن كان ضميرك يؤنبك وإن كنت تشعر أن أي شيء ليس له علاقة بالدراسة هو مضيعة للوقت لكنه حقاً يكفيك من الاحتراق ويجعلك في حالة أفضل على المدى البعيد.

أنصح أيضاً بالعمل على تقوية الجانب الديني لك، ليس بسماع مقاطع عابرة فقط بل بالتركيز على محاضرات التفسير وأسماء الله الحسنى ومسائل العقيدة مثل محاضرات الحرمين وأجد أن الغربة فرصة عظيمة لتهذيب القلب والسلوك ومراجعة النفس ففيها من الخلوات الشيء العظيم وقد ينغمس الشخص دون وعي في الماديات من حوله ليجد قلبه متعطشاً معرضاً للفتن من كل باب.

هناك أيضاً فكرة شائعة عن العمل لوقت أطول وأن علاقة العمل بالوقت علاقة طردية تزيد من الانجاز. في حالتي لا يوجد لدي خيار لأنني أم ولدي واجبات أخرى وطفلتي لاتزال في عمر تحتاج مني الانتباه الكامل وقت وجودها لذا فبشكل غير اختياري تغيرت نظرتي عن مفهوم الوقت الأطول في العمل. أملك ساعات قليلة في يومي يمكن أن أركز فيها في عملي وحين أسمع الطلاب وعدد الساعات التي يقضونها في الدراسة وطريقتهم بشكل عام أخاف أن أكون مقصرة وأن ما أفعله ليس كاف لما تتطلبه المرحلة لكنه غير صحيح. يمكن أن تقضي اليوم بأكمله وأنت تعمل لكن ماذا أنجزت؟ أجد أن تحديد الوقت يجبرك على الانجاز، وتوزيع المهام على الأسبوع بدل اليوم، يساعد كثيراً في الحفاظ على جودة الوقت والانجاز، فمن الطبيعي أن يخرج أحد الأيام عن السيطرة بسبب مرض أو ملل أو غيره لكن ضبط الأسبوع غالباً يجعل التعامل مع الأيام والمهام المطلوبة مرن أكثر.
أن تعمل لساعات طويلة قد يسبب لك الخمول ويؤثر على استيعابك وإن كان هذا خيارك فخذ على الأقل استراحة بين الحين والآخر حتى تحافظ على جودة الوقت. هذه الفكرة لا تختلف كثيراً عما يعلمنا إياه ديننا فهناك العديد من الأعمال اليسيرة العظيمة في الأجر وفي هذا منهج ودعوة للعمل بذكاء واستغلال الفرص والأوقات الفاضلة.

طلب المساعدة

إذا كانت هناك نصيحة واحدة أوجهها لأي شخص مقبل على تجربة جديدة ستكون لست وحدك! مايعني أن هناك العديد ممن مروا بتجارب مشابهة ورغم أن لكل تجربة ظروفها الخاصة باختلاف الشخصيات والخلفيات لكن الحديث مع أشخاص مروا بتجارب مشابهة يساعدك كثيراً ويجعلك تتيقن أنك لست وحدك وأن المشاعر التي تمر بها طبيعية جداً، ويمكنك من وضع الأمور في حجمها الصحيح. الحديث ببساطة يجعلك تستوعب المرحلة ويساعدك على إدراك أن كل شيء يحتاج لوقت حتى ينضج  وأن الخطوات البسيطة الصغيرة أفضل من عدمها ولا تختلف تجربة الدراسة عن غيرها في هذا الجانب.
في الوقت نفسه، لا تتحدث مع أي أحد! يبدو كلامي متناقضاً هنا لكنني أعرف الكثير من الطلاب والمبتعثين السلبيين للأسف والحديث معهم يضاعف القلق لديك ويجعلك متوتراً غير قادر على الانجاز، تحس أن نهاية العالم متعلقة بمشروع يجب عليك تسليمه وبغض النظر عن مستواهم الدراسي فقد يكونون من أمهر الطلاب وأكثرهم ذكاء لكنهم لا يجيدون صراحة إلا النكد. أنت في غنى عن الحديث مع هؤلاء وإن كانوا في الظاهر يُبدون استعدادهم للمساعدة. أحط نفسك بدائرة دعم تساندك معنوياً في التعامل مع تحديات المرحلة.

لست  وحدك. اطلب المساعدة وابحث عن الخدمات المتاحة لتعزيز صحتك النفسية وقد تريد اضافة هذا المعيار حين تختار الجامعة وسأوضح لك الفرق في النص التالي. حين درست الماجستير في لندن كانت جامعتي متخصصة في الفن لايوجد فيها أي أقسام أخرى، ومن المعروف أن بيئة الدراسة الفنية بشكل عام التي تشمل العمارة والتصميم والفنون التطبيقية والأفلام والمسرح وغيرها، تبنى في أغلب الأحيان على المنافسة وفكرة أن النجاح يعني أن الآخرين أقل منك مستوى. بيئة تنافسية بالدرجة الأولى خصوصاً حين تتعرف على الطلاب من مختلف الخلفيات وتبدأ بمساعدتهم ظناً منك أنهم سيقدمون المساعدة في المقابل لتجد أن كل شخص مهتم فقط بنفسه والوصول للأفضل حتى و لو على حساب الآخرين. الشاهد أنه و مع كل هذه التنافسية لا أذكر أني رأيت اعلاناً أو حضرت محاضرة أو أن أحداً تحدث معنا أثناء دراستي عن الصحة النفسية وهذه البيئة حتماً تولد العديد من المشاكل والتحديات.

في المقابل في جامعتي الحالية في ليدز، جامعة شاملة لتخصصات مختلفة من الطب والهندسة والعلوم والأحياء وغيرها لمست بشكل كبير اهتمامهم بالصحة النفسية لدرجة تخصيصهم لخط ساخن لاستقبال الطلاب الذين يبحثون عن المساعدة. هناك حملات توعوية خلال السنة وتأكيد على الخدمات المتنوعة سواء كمجموعات أو بشكل فردي أو بصفة مجهولة. أياً كانت الطريقة التي تفضلها لطلب المساعدة ستجد لها طريقاً.

النموذج مدهش بالنسبة لي ربما لأنني لم أره من قبلو ومن تجربتي الشخصية في العمل في الإرشاد الأكاديمي أرى أنه جبار في شكله ونتائجه. تعرفت على الخدمات لأول مرة حين وصلني بريد بعدد من الورش المخصصة لطلاب الدكتوراة في سنتهم الأولى وقد تستغرب عندما أخبرك أن مواضيعها كانت عن القلق، التسويف، التعاطف مع نفسك، التعامل مع متلازمة المحتال، تغييرات صغيرة لنتائج كبيرة، التعامل مع المجهول وغيرها من المواضييع التي برأيي يحتاجها كل شخص سواء كان طالب دكتوراة أو لا وأتخيل أثرها العظيم حين تقدم بشكل مناسب للمراحل الدراسية المختلفة. المنصة التي تستخدم للورش تسمح للأشخاص بالحضور والتفاعل دون ابراز أسماءهم وهذا يعطي الجميع الأريحية في التعبير والمشاركة. وربما يظن البعض أن التوجه في التعامل مع التحديات المعنوية مبالغ فيه إلا أن ضبطها في وقتها واعطاءها حجمها الصحيح يمكن أن يغني عن العديد من التبعات التي يصبح التعامل معها مكلفاً في المال والعلاقات. فقط انظر لكمية القلق التي يواجهها الطلاب حين ينهون الثانوية وينتقلون للجامعة وكمية الحيرة والضياع التي يواجهونها وما يقدم لهم في المقابل من دعم. أظن أن الفكرة اتضحت.

Photo by Pixabay on Pexels.com

هل كانت ممارسة التدريس مضيعة للوقت؟

يردني هذا السؤال كثيراً وأجد العديد ممن يفضل اكمال الدراسات العليا بشكل متتالي. قد يكون هناك طلاب لم يستفيدوا البتة من تجاربهم في التدريس وقد يخبرك البعض أن شهادة الماجستير لا قيمة لها في المجال الأكاديمي وأن عليك أن تحصل مباشرة على الدكتوراة حتى تبدأ ترقياتك وتأثيرك الحقيقي في العمل وقد يكون لهذا جزء من الصحة لكنني اعتدت أن أستثمر في تجاربي وأرجح الايجابيات على غيرها.

بدأت الدكتوراة بعد أن أتممت أربع سنوات من التدريس وكتبت سابقاً الظروف التي أدت لهذا القرار، بغض النظر، قابلت العديد من طلاب الدكتوراة الذين بدؤوا دراستهم مباشرة دون ممارسة التدريس على الاطلاق حينها فقط لاحظت أن التدريس لم يكن بالضرورة سلبياً على الإطلاق. أعتقد أن تجربتي الشخصية ساعدتني كثيراً في المرحلة الحالية ليس في المحتوى بالضرورة لأن موضوع بحثي ليس له علاقة مباشرة بمواد البكالوريوس التي درستها وللأسف لا توجد في كليتي بعد فرصة لدراسة الدراسات العليا، لكن ما أتحدث عنه هنا هو المساعدة في التدريس، مهارات البحث والتحليل وتقديم الأفكار، المهارات الإدارية، فهم عقلية الأستاذ، تطوير اللغة وغيرها.

التدريس

كما ذكرت ليس في كليتي بعد أقسام للدراسات العليا لكن التدريس ساعدني كثيراً في اختيار موضوع الدكتوراة ومهارات البحث العلمي.
بالنسبة للموضوع، تخصصي “تصميم المطبوعات والوسائط المتعددة” من التخصصات المتشعبة التي يتداخل فيها الفن والإدارة والإخراج  والإعلان والتسويق وتجربة المستخدم وغيرها. كل فرع من هذه المواضيع يتشعب هو الآخر لعدد من المجالات التي يمكن أن تتخصص فيها أكاديمياً لذا فمعرفة ماتريد ليس بالضرورة أن يكون أمراً بديهياً. من خلال ممارستي للتدريس في مختلف المواد وتجربة العديد من المواضيع والبحث عنها في مجال تخصصي عرفت أيها يستهويني أكثر وأيها أريد أن أتخصص فيه أكثر. في النهاية يجب أن تتخصص في موضوع يعجبك و مستعد أن تقضي في البحث عنه مايقارب الأربع سنوات و أن يستهويك بشكل كاف حتى تمارس التدريس فيه لاحقاً وتشتغل في نشر دراسات عنه. ساعدتني مرحلة الماجستير بداية من اختيار التخصص إلى الأبواب التي فتحتها لي من خلال مقابلة أشخاص من المجال والتعرف على الأفكار الدراجة أو المثيرة للجدل في التخصص. درست الماجستير في تصميم البيئات الروائية و في أحد نقاشاته يتحدث عن هويات المدن وهو ما أتخصص في دراسته حالياً تحت تخصص البراندنق أو الإيسام ولله الحمد يبدو الوضع حتى الآن مبشراً بالخير.

بالنسبة لمهارات البحث العلمي فقد ساهم تدريس المادة في استحضار المهارات المطلوبة في المجال، وأكثر ما أظن أنه ترك أثراً ايجابياً هو تدريسي في سنتي الأخيرة قبل الابتعاث لمادة التخرج، ورغم أنها عُرضت علي وأنا في ظروف شخصية ليست سهلة إلا أن قبول التحدي كان له دور كبير بفضل الله أولاً. لا زلت أستحضر محاضراتي للطالبات من أول يوم بدأناه بمحاضرة عن الخوف من المجهول والتعامل معه في المجال الإبداعي إلى ورش العمل عن إدارة المهام والتخطيط ووسائل البحث وغيرها من المواضيع المثرية. أضف لذلك قراءة تقاريرهم وتدقيقها لغوياً كلها كان لها أثر طيب في الاستعداد للمرحلة الحالية من الدراسة.

تقديم الأفكار من المهارات المهمة التي صقلها التدريس وهي من أهم مهارات دراسة الدكتوراة. يعتمد الكثير مما تفعل أثناء البحث على قراءة المقالات العلمية والأبحاث، تلخيصها، ربط أفكارها أو مقارنتها بغيرها وابداء رأيك فيها في محاولة لاضافة قيمة علمية لما كتب ونشر حالياً. لايختلف التدريس عن هذا، تجمع مصادر مختلفة حول موضوع معين تلخصها في محاور أساسية تناسب موضوع المادة، وتقدمها للطلاب بشكل ملخص يركز على أهداف المادة، وتضيف عليه القيمة الثقافية والأمثلة المحلية التي تجعله أقرب للواقع بشكل ملموس لخلفيات الطلاب. ممارسة هذا بوعي وشكل مستمر تجعل حديثك دائماً مركزاً على الهدف الأساسي منه وأفكارك أسهل في نقلها لشخص لم يسمع بها من قبل، بسيطة بشكل مفهوم وعميقة في الوقت ذاته لاتفقد قيمتها العلمية. الخلطة المثالية باختصار وهي مهارة تتطلب التمرين المتكرر حتى تتقن. حين أتحدث مع المشرف أو أحاول ايصال فكرة قرأت عنها لصديق أجد بفضل الله فائدة ممارسة التدريس واضحة في هذا الجانب.

مهارات إدارية

المهارات الإدارية التي اكتسبتها من خلال عملي طورت عندي المسؤولية وتنظيم الوقت وجعلتني أكثر خبرة ببرامج الوورد والاكسل المفيدة فوق ما تتصور في مرحلة الدكتوراة. برنامج الوورد بالذات يستحق وقتك في التعلم ولا أعني المهارات الأساسية بل المتعلقة بالبحث العلمي وسيفاجئك بكل تأكيد.

قد تبدو مهارة تنظيم الوقت بديهية ومتفاوتة عند الأشخاص بحسب شخصياتهم وكنت ولازلت أعتقد أن دخول المطبخ في نهار رمضان من أفضل المعلمين لهذه المهارة، لكن عملي ولا شك ساهم في تطويرها بشكل كبير. في كليتي، بسبب قلة عدد أعضاء التدريس يقوم المحاضر بمختلف الأدوار التي يؤديها المعيد أو الأستاذ أو رئيس القسم وفي أحيان كثيرة، الكثير من الإداريين. العمل في هذه الأدوار في وقت واحد اضافة للتدريس كان منهكاً ومستنزفاً للطاقة لكنه ولا شك ترك أثراً لا يمكن انكاره. العمل بتنظيم في نظري أهم مهارة تسدي لنفسك وكل من حولك خدمة عظيمة حين تتقنها. يصبح تفكيرك واضحاً، إبصارك لمتطلبات المرحلة بوضوح ويمكنك التركيز على  المهام الأهم دون التشتت بأمور ضرورية مثل ترتيب الملفات أو البحث عن صورة تحتاجها، أو محاولة تذكر اسم البريد أو الجهة المعنية. مهما اختلفت أدوارك في العمل أو علاقاتك أو دراستك ولاشك أن الدكتوراة تحتاج تنظيم أكثر من غيرها لأنها تعتمد كلياً على الطالب دون وجود خطة أو منهج معد سابقاً.

عقلية الأستاذ

لأنني جربت أن أكون في موضع الأستاذ والطالب، يسهل على فهم كيف يفكر الطرفين ولا يمنع طبعاً من طلب الاستشارة بين الحين والآخر. تعلمت من التدريس أن الطالب أحياناً يبحث عن العلامات الخطأ في الأستاذ فيبدأ بالتركيز بشكل مبالغ فيه في ردات فعله ونظراته ونبرة صوته وتأخذ الأمور منحى شخصياً، يجعل الدراسة تجربة سيئة ومليئة بالسلبية. لدى الأستاذ مايكفي من الالتزامات والمهام في العمل وخارجه مايجعله لا يملك أي وقت لجعل المسائل شخصية. في المقابل، عملي في الارشاد الأكاديمي قرب لي وجهات نظر الطلاب بشكل كبير وفي أغلب الأحيان يبحث الطالب عن أي شيء يدفعه للاستمرار والكلمة الطيبة المشجعة وقعها جبار. دراسة الدكتوراة لا تختلف كثيراً يبقى الطالب طالباً والأستاذ أستاذاً مهما اختلفت سنوات خبرتهم تتشابه احتياجاتهم

Photo by Nothing Ahead on Pexels.com

تطوير اللغة

لم أعر موضوع اللغة انتباهاً من قبل حتى لفتت نظري له بعض الزميلات في الغربة. كيف تعلمتِ اللغة؟ كيف بدأت الدراسات العليا دون أن ألتحق ببرامج لغة انجليزية؟ تكررت علي مثل هذه الأسئلة وأغلب من يسأل هذا السؤال يبحث عن طريقة أو وصفة يمكنه اتباعها وللأسف لا يمكنني مساعدتك بجواب واضح لكنني أعتقد أن اللغة من المهارات التي تُصقل بالممارسة ولا يمكن أن تتقنها في فترة زمنية محددة سواء كانت أشهر أو سنوات، بمعنى، ستستفيد بالتأكيد إن حضرت دورة في اللغة لكنك لن تتعلم اللغة من خلال الدورة فقط.

لا أذكر سبباً واحداً بعينه لكنني سأخبرك ببعض الأمور من تجربتي أظن أن لها دور كبير بعد فضل الله في اتقاني للغة.

بالنسبة لي اللغة العربية دائماً كانت الأساس وهناك اثبات علمي أن الذي يستطيع التفكير بوضوح بلغته الأم يمكنه أن يعبر بطريقة واضحة بأي لغة أخرى لكن الأساس أنّ عقله في سلسلة ترجمة غير منتهية بين اللغة الأم وأي لغة أخرى.
لم أتخرج من مدارس عالمية أو خاصة، درست بعض المراحل الابتدائية في مدارس خاصة لا تختلف مناهجها كثيراً سوى أنها تخصص حصص أكثر للمادة لكنني أكملت المتوسطة والثانوية في مدارس حكومية. كنت مهتمة دائماً بثقافة متحدثي الإنجليزية  قبل ظهور اليوتيوب ووسائل التواصل الأخرى وكانت وسيلتي للوصول للثقافة من عمر صغير في اقتناء الكتب التي تكتب صفحة انجليزية مقابل ترجمة عربية وأظن أنها من أكبر العوامل التي ساعدت على تطور لغتي. الاهتمام بالثقافة مفيد جداً وتقمص الأدوار أظنه يساعد كثيراً، رغم أن اللهجة غير مهمة كما تخبرك العديد من المصادر إلا أنها تساعدك على تذكر الكلمات واستدعاءها حين تحتاج.

مشاهدة البرامج الانجليزية ووضع الترجمة بنفس اللغة يثبت الكلمات ويعلمك سياق استعمالها الصحيح. إضافة لذلك حين درست البكالوريوس كان هناك منهج لغة إنجليزية في السنة الأولى ساعد بعض الشيء لكن ماساعد أكثر هو وجود معلمين أجانب أثناء دراستي أضطر في موادهم لحل الواجبات وتقديم العروض بالإنجليزية. لم تكن حينها الكلية تطلب التكاليف كاملة بالإنجليزية بعد، لكن تغير الأمر مع موعد تخرجي. سلمت مادة البحث في السنة الأولى بالعربية وقدمت بحث تخرجي بالإنجليزية ولم يكن خالياً من الأخطاء.

حين بدأت التدريس والتقديم على الجامعات كنت أظن أن لغتي الاكاديمية ركيكة لكنني تمكنت من تحصيل درجة الاختبار المطلوب لاستكمال الماجستير من المرة الأولى وكان هذا دافعاً قوياً لرفع الثقة. أظن أن الثقة وعدم الخوف من استخدام الكلمة الخطأ أو نسيان مصطلح معين له دور كبير. حتماً ستخطأ وحتماً ستقول شيئاً يبدو مضحكاً أحياناً لكنها ليست لغتك الأم فالأمر طبيعي جداً. ألا تلقي بالاً لما سيظن الناس بك إن تحدثت، و كثيرة هي التعليقات السلبية ممن يدّعي أن تعلمك للغة يُترجم لعدم اعطاءك لغتك العربية حقها أو محاولة الانسلاخ من الهوية أو المباهاة بشيء ليس من ثقافتك لكن الأمران لا يتعارضان. وعليك أن تستقبل اللغة التي تريد تعلمها أياً كانت وأنت متصالح مع هذه الأفكار حتى تتقنها وكم تمنيت حقيقة أن يعرف الكثير من حولي القراءة بالإنجليزية لأن مصادر المعلومات والوصول للأفكار الممتازة للأسف متوفر بغير العربية على الإنترنت. هدفك في النهاية هو العلم وليس المباهاة.

حين درست الماجستير صُقلت لغتي بشكل كبير. المحاضرات والمشاريع الجماعية وتعاملي مع الطلبة أجبرني على التعلم وتطوير لغتي، ببساطة لم يكن لي خيار! كونت صداقات مع جنسيات مختلفة يجب أن أتحدث الانجليزية حتى أتعامل معهم، وكان لهذا الأثر الكبير في اثراء لغتي ليس أكاديمياً فقط، بل في الأحاديث الصغيرة والمهام اليومية وهو أمر تحتاجه في الغربة كثيراً. وقد تستغرب من ادراجي لهذه النقطة وتعتقد أن الأمر بديهي فكل مبتعث محاط بتجربة مشابهة لكنني أعرف الكثير من المبتعثين المنغلقين على المجتمعات التي تشبههم وهذا يؤثر بشكل كبير على نوع الخبرة التي تضاف لهم من التجربة.

القراءة والكتابة الأكاديمية لها دور كبير أيضاً، حين عدت لممارسة التدريس، تحضير المحاضرات وكتابة التكاليف والمراسلات والتقارير داخل القسم كله معتمد على مصادر بالإنجليزية. حين بدأت بالتقديم على الدكتوراة وأعدت اختبار الايلتس حصلت على ٧.٥ من المرة الأولى وأدركت حينها أن جهدي بتوفيق الله ومنته لم يكن سدى.
لي تحفظات كثيرة على اختبار الايلتس وأرى أن الاستعداد له يعتمد على استراتيجيات ليس لها بالضرورة علاقة بجودة لغتك لكنه هنا شاهد مناسب للسياق الأكاديمي الذي أتحدث عنه.

ختاماً

يتطلب الأمر شجاعة كبيرة كي تقدم على الابتعاث وتختار الغربة لسنوات طلباً للعلم، تذكر هدفك دائماً وتذكر أنها سنوات محدودة. استفد من التجربة قدر المستطاع وتعامل مع ما تمر به بروية ومرونة، لكل شيء حل ولكل موقف سابقة يمكن أن تساعدك في تجاوزه. استعن بالله دائماً قبل كل شيء، حافظ على أذكارك ووردك، واسترجع كل الصعاب التي تخطيتها في حياتك وتأكد أنك ستتجاوز صعوبات الحاضر بنفس الطريقة. طلب العلم من أسمى الأهداف وأكثرها تحدياً لايهم كم تبذل إلّم يفتح الله عليك ويوفقك للوصول ويرزقك نعمة العمل بما تعلمت، فلا جدوى. لذا احرص على الاستعانة بمن بيده العون وأن يسدد خطاك.
احتسب أجر رفع الإسلام والمسلمين بما تفعل وتذكر وطنك الذي يحتاجك أن تنقل ما تعلمت من التجربة في أفضل صورها، لا أن تضيع الوقت بالمقارنات ومحاولة اثبات الأفضل.

الكثير من الأشخاص يحلم بالابتعاث، ربما لم يحن وقتك بعد، ربما لست مستعداً بعد، ربما يهيؤك الله بطريقة مختلفة أو يعدك لشيء مختلف تماماً لكنه مناسب لك ولما يخبؤه لك المستقبل بشكل أفضل. أياً كان قدرك وفي أي مرحلة كنت فيها، لا أحد يعرف التحديات التي تمر بها كما هي، وقد يتعاطف البعض معك، لكنها تجربتك وحدك، وبإمكانك التركيز فقط على كل السلبيات فيها أو تفضيل الايجابيات والتعامل مع الوضع كما هو دون تضخيم أو تمكين لدور الضحية. اطلب المساعدة واعرضها على من حولك ولا تيأس فأنت لا تملك إلا أن تستمر في المحاولة ويكفيك هذا.

أرحب بتواصلك معي على المدونة إن كنت تحتاج للحديث أكثر حول تجربة الدكتوراة والابتعاث الأكاديمي

One thought on “ أول ست أشهر من دراسة الدكتوراة ”

أضف تعليق