نشهد في الآونة الأخيرة العديد من الفعاليات الكبرى محلياً والمقرر للسعودية تحديداً استضافتها مثل كأس العالم ٢٠٣٤ وإكسبو ٢٠٣٠. وعلى عكس المتوقع تعتبر الفعاليات الكبرى مثل استضافة الفورميلا ١ أو إكسبو وغيرها، من الفعاليات المكلفة والتي لا تعود بالضرورة بدخل مادي على الدولة المستضيفة وهذا يقودنا لسؤال جوهري، إذ في غياب القيمة المادية، لماذا تتنافس الدول بحماس في التقديم على الفعاليات وتستثمر مبالغ طائلة في الملفات التي تقدمها للترشيح؟
قد لا تكون المادة هي العائد الأساسي من هذه الفعاليات لكنها بكل تأكيد تعود على الدولة المستضيفة بالكثير في حال كانت مشاركتها مدروسة وضمن رؤية المكان واستراتيجيته. من وجهة نظر استراتيجية صياغة المكان place branding يعد الاستثمار في الفعاليات الضخمة من المواضيع التي تناقش بقوة في البحث العلمي من خلال دراسة حالات مختلفة في البيئات و تحليل المقومات لقياس أثرها على هوية المكان ومعرفة جدوى الاستثمار فيها. الاكسبو هو أحد الفعاليات المشهورة ضمن هذه المجموعة وقد تم تداوله بدراسات من الشرق والغرب، وتقرُّر استضافة السعودية لاكسبو ٢٠٣٠ حدث مناسب لمناقشة هذا الموضوع لفهم أبعاده بشكل أفضل.
نناقش في هذا المقال أحد استراتيجيات صياغة المكان التي تهدف لابتكار هوية متميزة لا تنسى في أذهان الناس واستخدامها كوسيلة لترجمة القيم الجوهرية للمكان ونستعرض بعض الأمثلة من مختلف أنحاء العالم في محاولة لفهم أبعاد هذه المشاركات ومقومات نجاحها ونعرج على المزايا التي تحظى بها الدولة المستضيفة وكيف يمكن الاستفادة من حجم هذه الفعاليات لبناء هوية مستدامة للمدن.
ماذا تعني استراتيجية صياغة المكان؟
قبل الخوض في تفاصيل إكسبو لابد من التعريج على وجهة نظر هذا المقال النابعة من استراتيجيات تسويق المدن. يعد city branding, place branding أو صياغة المدينة أحد الوسائل المعتمدة حالياً لرسم استراتيجيات المكان في ظل المنافسة الشديدة التي تفرضها العولمة على المدن لاستقطاب الأسواق العالمية والأعمال التجارية والاستثمار والسياحة. حين ننظر للوضع الاقتصادي الراهن والأزمات المتجددة التي تفرض نفسها على الدول نجد أن تسويق المدن لنفسها بصورة ايجابية تتعدى الصور النمطية السائدة لم يعد خياراً بل أصبحت المدن تبذل مبالغ طائلة وتتنافس للبحث عن عامل جذب مختلف وخاص بها بالاعتماد على مقوماتها التاريخية و الثقافية أو الرفاهية ونمط الحياة الذي تتيحه لسكانها والزوار أو بخلق واستحداث هذه العوامل. استراتيجية صياغة المكان أو تسويق المدن هي رؤية طويلة المدى للمنطقة تشمل مساحة جغرافية محددة مختلفة في حجمها ومتنوعة بين الحي الصغير أو الدولة بمدنها المختلفة وأحد أهم التحديات التي تواجهها هويات المدن تكمن في البحث عن احتمالات لتمكين المجتمعات المحلية واقتناص الفرص لابتكار صورة متميزة للمدينة تهدف في النهاية لتحقيق نجاح على مستويات مختلفة رغم الصعوبات التي لابد من مواجهتها.
حين تنتهز المدن الفرص مثل استضافة الفعاليات العالمية في المنطقة عادةً ما تتقرر المشاركة ضمن إطار زمني ضيق ويكون الوضع حساس بين استثمار هوية الفعالية للتسويق للمكان أو توظيف عناصر هوية المكان للتسويق للفعالية. يركز الخيار الأول على توظيف العناصر التابعة لهوية الفعالية المستضافة بشكل جاذب ويدخل في ذلك عناصر من هوية الرعاة والممولين للحدث والتي عادة ما تكون مشاركتهم مشروطة واستخدام هوياتهم أمر الزامي. يركز الخيار الثاني في المقابل على استخدام الفعالية كوسيلة لعكس هوية المدينة. وبكل تأكيد فإن الاستراتيجية الأنجح هي التي تتضمن عناصر الهوية الرسمية للحدث وتمتد لما هو أبعد منها من خلال ابتكار هوية مستوحاة من القيم الجوهرية للمكان تعكس ما يؤمن به أصحاب البلد وتشاركه الزوار بدلاً من تأطيره ليتواءم مع توقعاتهم التي لا تتوافق مع ثقافة المكان بالضرورة. تطبيق هذه الاستراتيجية يواجه العديد من التحديات خصوصاً مع تعدد اللجان المسؤولة عن الحدث وغياب التوافق بين صناع القرار والمنفذين للمشروع.
الفعاليات الضخمة أو الكبرى تغيّر البنية التحتية للمدن بلا شك حيث تضخ فيها مبالغ ضخمة لانشاء الطرق والمدرجات الرياضية والمعارض وتطوير ملحوظ لوسائل المواصلات وغيرها من الخدمات اللوجستية لتتواءم مع التطلعات الدولية للزوار من مختلف أنحاء العالم لكن السؤال الأهم، هل تساهم كل هذه التطورات في هوية مستدامة للمكان أم أنها لحظية محدودة الأثر في اطار الفعالية فقط؟
رؤية السعودية ٢٠٣٠: تحويل الطموحات المشتركة إلى واقع ملموس
تمتلك السعودية بلا شك العديد من المقومات المتأصلة تاريخياً مثل التنوع الجغرافي والحضاري والثقافي لكن تسويق المدن لايزال ناشئاً في المنطقة ولعل اطلاق رؤية ٢٠٣٠ كان من أوائل التطبيقات الواضحة لصياغة استراتيجيات المكان في السعودية ما جعل التطبيقات السابقة للرؤى مجرد محاولات بسيطة بالمقارنة. ببساطة تتكون استراتيجة المكان من القراءة المستقبلية للاستثمار ومصادر الدخل المتوقع زيادتها أو نقصها ويكون هدفها بشكل أساسي زيادة العائد المادي وإنشاء مصدر دخل مستدام للمنطقة الجغرافية بحسب مدة الاستراتيجية. على الرغم من وجود الهدف الاقتصادي بصورة مهيمنة على معظم استراتيجيات المدن إلا أن التركيز عليه وحيداً يحول المكان لسلعة تتعرض لتحديات المقاومة والحملات المضادة من أهل البلد الذين عاشوا وألفوا المكان لمدة طويلة ولذا نجد تحولاً جذرياً في صياغة استرتيجيات المدن مؤخراً حيث تهدف بالإضافة لجذب الانتباه لمقومات الاستثمار فيها إلى عرض نفسها كوجهة سكنية تستحق الزيارة مرة بعد الأخرى. تسعى الاستراتيجيات بهذا الحجم إلى اشراك المواطنين وخلق فرص تبدأ من السماع لاحتياجهم ونظرتهم للمكان والتعمق في العوامل التاريخية والثقافية بحسب ما يرونه ويتوافق مع الرؤية ويعتمد صمود الرؤية على قدرتها في اشراك القطاع العام والخاص وشرائح المجتمع المختلفة بشكل نشط في المشاريع. نجد في رؤية السعودية ٢٠٣٠ مثالاً حياً مثيراً للاهتمام لمراقبة هذه العملية التعاونية بين أصحاب القرار والمواطنين من مختلف الفئات العمرية والاهتمامات مثل الطلاب وأصحاب الأعمال أو مقدمي الخدمات والقطاعات المختلفة. تبدو هذه العلمية الاستراتيجية نظرياً بديهية وأساسية لكنها تختبر تحديات وعوائق كثيرة استدعت الكثير من الأبحاث في محاولة لفهم وتقريب وجهات النظر.
القصة التي تتقنها أهم من القصة التي ترويها
رسم استراتيجة المكان قد يبدأ من البحث في التاريخ والثقافة وعوامل الجذب المتوفرة لكن ماهو متوفر قد لايكون جذاباً بالضرورة وقد لا يلفت نظر أصحاب الأعمال والشباب والفئات المستهدفة من الاستراتيجية، لذا فمن الضروري التركيز ليس فقط على العناصر المتاحة للبلد والتي قد تكون متاحة لدى البلدان المنافسة بشكل أو بآخر بل التركيز على قوة السرد والقصة التي تغلف هذه العناصر وتتمكن منها بالصورة المطلوبة وهذا يؤكد على أهمية اشراك الناس في رؤية المكان كعنصر أساسي يضمن تميز الاستراتيجية ويشكل الورقة الرابحة لكل بلد وايجاد اتفاقية تجمع بين اعتقاد أهل البلد وتطلعاتهم لمستقبل المكان وبين ما ترغب به الفئات المستهدفة من المشروع.
كيف تبني المدن هوية لا تُنسى؟
تمتلك المدن بشكل تلقائي صورة واضحة في عيون مواطنيها، تعمد استراتيجية صياغة المدينة الناجحة لتقريب ومواءمة صورة المواطنين مع تطلعات الزوار والمجتمعات الدولية عن المكان وامكانياته. تخبرنا التجارب والدراسات السابقة أن ازدهار المدينة في المنافسة العالمية يعتمد على قدرتها على تقديم صورة متميزة لا تنسى وتجربة استثنائية لمختلف الفئات المستهدفة. تتشكل المدينة بعناصر تاريخية ثقافية اضافة للتنوع الديموغرافي والاقتصادي والسياسي لها، في المقابل هوية المدينة هي صورة معقدة من أنماط معمارية وعناصر اجتماعية ثقافية مترسخة ويأتي دور استراتيجية المدينة في دمج هذا الخليط من العناصر المعقدة وتحويلها لصورة متميزة غير قابلة للنسخ في أي مكان آخر. التحدي الأكبر للعاملين في مجال هويات المدن يتعدى القدرة على الدمج فقط وتحويلها لهوية واضحة بل في كيفية تسويق هذه الهوية بشكل استثنائي يعكس نظرة المواطنين عن أصل المكان ويواكب التحديات التي يفرضها المستقبل. باختصار في ابتكار هوية مقبولة، قابلة للتسويق داخلياً وفي الخارج وملموسة بشكل يومي في حياة المواطنين. هذه التحديات تؤدي للعديد من النزاعات في صناعة القرار وغالباً ما تؤخذ العناصر التاريخية والثقافية على أنها عناصر بديهية مما يعرضها للضياع بين رسائل الهوية أو يتم تحويلها لسلع تسويقية تنقص من قيمتها الفعلية لذا فالموضوع يحتاج لتعامل دقيق ورؤية واضحة للمستقبل حتى لا ينتج عنه مخرجات تخدم الهوية بشكل لحظي مؤقت.
استكشاف إكسبو: المعرض العالمي والفرص الكامنة
من خلال حديثي مع الأشخاص من حولي أعتقد أن القليل يعرف ماذا يعنيه إكسبو ولعل استضافة دبي القريبة لإكسبو ٢٠٢٠ الذي يعد الأول من نوعه في المنطقة ساعدت قليلاً في رفع الوعي بمعنى هذه الفعالية، لكنني أعتقد أن الوعي لا يزال محصوراً على الفئة المطلعة على الأخبار الثقافية والفنية أو العاملين في مجالات مرتبطة بالحدث بشكل مباشر سواء معمارين أو مستثمرين أو موظفين أو أصحاب أعمال. شخصياً كنت محظوظة بالتعرف أول مرة على هذه الفعاليات من خلال بحثي للماجستير وتعمقت أكثر في البحث فيها ضمن فترة التدريب المتزامنة لدراستي في لندن. الفعاليات الضخمة من هذا النوع تمثل متعة شخصية بالنسبة لي في فتح نافذة تطلعك على المستقبل وتسمح للدول بالتنافس في الحلول الممكنة واستعراض التقنيات التي يتميزون فيها في رصد مشاكل العالم المشتركة سواء الحالية أو المتوقعة. كان لي فرصة حضور إكسبو دبي ٢٠٢٠ وكنت فخورة جداً بمشاركة السعودية فيه ومشاهدة ردة فعل الحضور من مختلف الجنسيات على ما قدمته.

إكسبو بشكل مبسط جداً هو معرض عالمي دولي ضخم يعرض انجاز الدول. يهدف لزيادة الوعي لدى العامة ومشاركة انجازات الدول أو تطورها في مجال معين. ربما يكون أحد أهم العناصر المطلوبة للمشاركات في إكسبو هو المنافسة في استعراض الانجاز، ينعكس هذا في نوع المباني المصممة والتقنية المستخدمة لدى العارضين ونوع المواد والمحتوى المعروض. لا تجد في إكسبو معلومات تاريخية أو درس ثقافي عن قدرات البلدان المشاركة بل تسعى الدول عادة لأخذ الحضور في رحلة للمستقبل وتركز على العرض التفاعلي مع الجمهور بحيث تتركهم مع تساؤلات تلهمهم وتعلق في ذاكرتهم لما بعد الفعالية. على سبيل المثال فكرة مشاركة بريطانيا في دبي ٢٠٢٠ كانت تناقش مستقبل الذكاء الاصطناعي بطريقة تفاعلية مع الزوار من خلال قيامهم بادخال كلمات مفتاحية يحولها الذكاء الاصطناعي لقصة ذات معنى. تبدو الفكرة بسيطة جداً خصوصاً مع التطور السريع الذي نشهده حالياً في اتاحة الذكاء الاصطناعي للاستخدام في شتى المجالات، لكن الأفكار البسيطة المركزة مصحوبة بالعمارة الاستثنائية وتصميم التجربة التفاعلية عناصر أساسية لنجاح المشاركة على هذا المستوى الذي يستهدف فئات مختلفة ومتنوعة من طلاب المدارس إلى الزائرين المتخصصين.

بينما يتنافس المشاركون في الحصول على موقع متميز بين الدول المشاركة وارسال رسائل مختلفة، تحظى الدولة المستضيفة بمساحة أكبر في تنوع الرسائل التي يمكن لها توظيفها للجمهور.
ماهي العناصر الجوهرية التي تريد أن توصلها الدولة المستضيفة للجماهير المختلفة؟ أعتقد أن طرح هذا السؤال في مراحل أولية من المشروع في غاية الأهمية! و بلا شك أن استضافة دولة في الشرق الأوسط يضع عليها مسؤولية كبيرة في معالجة العديد من المواضيع الشائكة أو الملتبسة لدى الفئات الزائرة. استضافة السعودية تحديداً فرصة فريدة كونها مركز يستثير المراقبين للشرق الأوسط إضافة لجذبها للأنظار بشكل مكثف منذ اطلاق رؤية ٢٠٣٠ خصوصاً في سياسياتها المتجددة والتي اختلفت عن الصور النمطية السائدة في الماضي في المنطقة مثل فتح باب السياحة والاستثمار الرياضي وتطور قطاع الترفيه وغيرها. ورغم أن هدف إكسبو هو أساساً التباهي بالتقنية والرؤية النافذة لمشاكل العالم المستقبلية فإن هذه الحالة تحديداً تتطلب استعراض ثقافي تاريخي اجتماعي من نوع فاخر يستبق الأسئلة المتوقعة في أذهان الزوار ويستغل الحدث لتأكيد توجه مستقبل المملكة العربية السعودية الذي يتعدى يتعدى رؤية ٢٠٣٠ ويستمر لما هو أبعد من ذلك. تزامن هذا الحدث مع توقيت رؤية ٢٠٣٠ يتيح للملكة استغلال الحدث لعرض تجربة حية لانجازاتها مع الزوار والتحكم بالسرد القصصي باختبار الواقع وسيكون من الذكاء تنويع رحلة الزائر بحيث يبدأ من نقطة في مدينة وينتهي في نقطة في مدينة أخرى.
توزيع الاستثمار والاستفادة القصوى
من الأمور الأساسية لتحقيق الاستفادة القصوى من مثل هذه الفعاليات توزيع مصادر الاستثمار لتوجيه النظر للمدن التي عادة ما يُلتَفت عنها بعكس المدن الرئيسية التي غالباً ما تكون سباقة في الفوز بالدعم والفرص بشكل عام وتحديد الرسائل الجوهرية و رسم صورة الزائر بشكل استراتيجي منذ لحظة وصوله والمطارات المتاحة حتى مغادرته يمكن أن يحول أثر هذه الفعاليات الضخمة من مجرد حدث لقيمة مستدامة للمنطقة.
اكسبو حول العالم
نستعرض هنا بعض الأمثلة التي تساعدنا للوصول لفهم أعمق لمفهوم الإكسبو ورأي الناقدين في أثر الفعالية المستدام على المدن المشاركة والمستضيفة
دبي ٢٠٢٠
استثمرت دبي حوالي ٧ بليون دولار في بناء الإكسبو في ظل توقعات بأن يعود عليها بنسب سياحة استثنائية وتقدير عالمي إضافة إلى تحويل موقع الإكسبو لمدينة ذكية بعد الانتهاء من الفعالية. تأخر افتتاح الإكسبو بسبب وباء كورونا ومع ذلك لا زالت الآمال معلقة بنجاح الفعالية. أطلق الإكسبو بشعار “عندما يلتقي العالم ليصنع غداً أفضل” وعدد من الأقسام الجانبية شملت الاستدامة والتنقل اضافة للفرص شاركت فيها ١٩٢ دولة بتقسيم وعرض ملون أقرب مايكون لتقسيم مدينة الألعاب المشهورة ديزني. من وجهة نظر هوية المدن التنافس على فعاليات بهذا الحجم يفتح العديد من الفرص ويعطي الدولة فرصة الوصول للعالمية فمثلاً بعد الانتهاء من الفعالية رُصدت العديد من الآراء الايجابية من مختلف الجنسيات حول أسلوب دبي في الاستضافة وإدارتها للحدث الضخم، لكن فتح المدينة للعالم عرّضها أيضاً للكثير من الانتقادات في نفس الوقت. على سبيل المثال طريقة بناء المعرض وادّعاءات بتجاوز حقوق العمل لانهاء المشاريع في الوقت المحدد اضافة لانتقادات سياسية حول ادارة المنطقة لأزمة وباء كورونا وغيرها.
لذا فمن الضروري دراسة الواقع بشكل دقيق تحسباً للآثار والعوائد المترتبة سواء ملموسة أو غيرها خصوصاً حين نتحدث عن منطقة لها خصوصيتها الثقافية وطبيعتها الاجتماعية المختلفة تماماً عمّا اعتاده السائح الأجنبي من نواحي ومستويات مختلفة. حين تبحث عن ردة فعل السائح الأجنبي على فعالية بهذا المستوى تجد في ردود الفعل أسئلة مثيرة للاهتمام ربما لا تخطر ببال أصحاب البلد وقد لا تتوافق مع توقعات السائح المحلي أو العربي. على سبيل المثال يرى الغرب العالم الشرقي بشكل عام على أنه الآخر المختلف المتحفظ أو المتخلف أحياناً وحدث من هذا النوع فرصة لتقصي كيف ينظر العالم الشرقي شخصياً لنفسه وما الذي يريد ايصاله للعالم الآخر بعيداً عن محاولة التماشي مع الغرب ونفي الاختلاف أو كشف خصوصية الشرق لاثبات التوافق.
بحسب الاستراتيجية التي يتبناها البلد المستضيف تشكل الفعاليات من هذا النوع فرصة للفئة الزائرة محلياً أو دولياً لاختبار مباشر لبعض الرسائل المحددة الموافقة أو المختلفة لما هو نمطي سائد عن المكان. قد تتضمن هذه الرسائل عناصر ثقافية فنية أو اجتماعية سياسية بحسب الأهداف لكن الأكيد أن تضمين الاستراتجية هذه العناصر بشكل واضح فرصة ربما لن تتكرر للبلد و ينعكس أثرها على هوية المدينة المستدامة إذا أخذت بعين الاعتبار.

يمكن للفعاليات الضخمة أن تساهم في التطور القطاعي للبلد المستضيفة في حالة دبي على سبيل المثال، تشكل منطقة التجارة الحرة محوراً رئيسياً في نمو القطاع الاقتصادي في المنطقة ولها سمعة مشهورة وأثر واضح في تشكيل صورة البلد لدى أذهان المستثمرين والتجار. في المقابل قد تكون سمعة القطاعات الأخرى مثل قطاع الاتصالات أو القطاع الثقافي أقل حظاً في الوصول للفئة المستهدفة منها داخلياً وخارجياً فتكون في هذه الحالة استضافة الفعاليات فرصة ممتازة للتسويق لهذه القطاعات الموجودة والتي يتم العمل عليها للوصول لشريحة أكبر من الأشخاص المستهدفين منها.
ميلان ٢٠١٥
حين حصلت ميلان على استضافة إكسبو ٢٠١٥ قامت الغرفة التجارية في ميلان بطلب عدد من الأبحاث لمقارنة امكانيات المدينة بباقي المدن الايطالية وعدد من المدن العالمية. كان الهدف من هذه الدراسات ايجاد أساس يساعد صناع القرار لانشاء استراتيجية تسوق المدينة سياحياً وتساعدها في نفس الوقت للوصول لأهدافها بعيدة المدى. اضافة لمقارنة امكانيات المدينة مع عدد مختار من المدن الأوروبية، تم حصر عناصر الجذب التي تسوق لها المكاتب السياحية عن المدينة مع العناصر الثقافية والفنية المشهورة بها المدينة محلياً بين سكانها. حين تسمع اسم ميلان تظهر لك صور معينة عن المدينة مثل النمط المعماري، علاقتها بالأزياء والموضة وإن كنت من زوارها فقد تعرف شيئاً عن لطافة شعبها أو فنون الطهي التي تقدمها وفي نفس الوقت نسب التلوث المرتفعة في المدينة وندرة المساحات الخضراء وغلاء الأسعار. ماعلاقة هذه الصور بالواقع وكيف يمكن أن تستفيد استراتيجة هوية المكان من استضافة إكسبو من هذه العناصر؟
حين تقرر المدينة تصميم استراتيجية للمكان بتوظيف العناصر الثقافية لها تكون الخطوة الأولى هي دراسة للواقع تشمل مقومات المدينة والصور الموجودة في أذهان المواطنين والزوار السابقين والمحتملين للمكان. في ميلان أوصت الدراسات بادراج العناصر الايجابية مثل الثروة الفنية والثقافية الدارجة عن المكان ومعالجة السلبيات والأمور التقنية مثل وضوح المعلومات ولغة التواصل مع الزوار في أي استراتيجية محتملة للمكان. اضافة لذلك فقد عرفت المدينة بسياحة المعارض والأعمال وأثر ذلك على معدلات السياحة في المدينة رغم وجود مقومات أخرى لكن يبدو غير مشهورة عنها. حين تستضيف المدينة إكسبو وتكون على دراية بهذه التوصيات يمكنها الاستفادة من الصورة النمطية الحالية لصالحها وتوظيفها في زيادة الوعي بالعناصر الأخرى التي توفرها للمواطن والزائر. على سبيل المثال تصميم عروض سياحية لرجال الأعمال الزائرين للقيام بجولات ثقافية أو التركيز على تنظيم فعاليات من قطاعات أخرى في توقيت مقارب لوقت المعارض الدولية. حين تصمم استراتيجة إكسبو يمكن الاستفادة من الإعلام المرتبط بالفعالية في الترويج للعناصر الغير مشهورة عن المدينة والتي قد تساعدها في زيادة الاستثمار في مجال معين أو تقربها من الوصول لهدف طويل المدى مرتبط بصورتها لدى الزوار من مجالات ليس لها علاقة بريادة الأعمال والأزياء على سبيل المثال.
الصين ٢٠١٠
حين استضافت الصين عام ٢٠١٠ فعالية إكسبو أقيمت العديد من الدراسات حول الموضوع وأثره على هوية المدينة والعجيب أن العديد من الدراسات خلصت لأن الأثر العام لاستضافة الفعاليات الضخمة يعود بايجابية على المشاركين في التجربة نفسها فقط وقلما يتعدا أثره ليصل لمستفيدين خارج المدينة أو ممن لم يحضروا الفعالية نفسها. نجد في حالة شنغهاي تحديداً خلافات واضحة بين ما سوقت له الفعالية وبين التجربة الفعلية لسكان المدينة ورؤيتهم لمستقبل المكان ومايجب أن يصل إليه وكأن أصحاب القرار يروجون لصورة وهمية للمدينة تتوافق مع تطلعات السائح النمطية ولا توجه أي رسائل جوهرية يؤمن بها أصحاب البلد. هذا الخلاف والصور غير المتوائمة بين المواطنين وأصحاب القرار يؤثر في رغبة المواطنين في المشاركة في الفعاليات المستقبلية وفهمهم لدورهم المحوري في تشكيل هوية المكان. في هذه الحالة تحديداً أدى هذا الخلاف لانسحاب المواطنين من المشاركة في الفعاليات التالية لهذا الحدث وأثر على ثقتهم في صناع القرار والسياسيين بقيادة المدينة وإيصالها لما يطمح له الشعب.
مشاركة الدنمارك في إكسبو شنغهاي ٢٠١٠
حين تشارك المدينة في فعاليات مثل إكسبو وتكون هناك خطة واضحة واستراتيجية مشتركة لهوية المدينة والفريق المنظم للمشاركة تحقق المشاركة نتائج باهرة على مستوى آخر. أحد الدراسات المنشورة حول هذا الموضوع ناقشت مشاركة الدنمارك في اكسبو شنغهاي ٢٠١٠. اعتبرت الدراسة مشاركة الدنمارك في الاكسبو كحدث يسمح للجمهور بمشاهدة هوية الدنمارك والتعرف عليها عن قرب بل والتفاعل المباشر معها واشراكهم في عناصرها. رغم بداهة الفكرة لكن تحليل عناصر الهوية الوطنية وعرضها بصورة جذابة تعكس تفرد المكونات الثقافية للهوية والتي عادة ما تكون يراها المواطنون كعناصر بديهية لاعتيادهم التعامل معها، يتطلب دقة وحساسية شديدة للتفاصيل التي تحدد الفرق بين عرض هذه العناصر كسلعة أو كعنصر ثقافي قيّم.
هوية الدنمارك الوطنية نشأت تاريخياً بصور تقليدية مستلهمة من تاريخ المنطقة استندت على الأساطير والقصص الخيالية لكنها سرعان ما فقدت بريقها في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدول ما اضطر الدنمارك مثل كثير من الدول الأخرى لتغيير الهوية لتعبر عن نظرة البلد المستقبلية وطموحها التقني والفرص التجارية والصناعية التي تتميز بها. في بداية الألفية كانت هناك العديد من المؤسسات المنفصلة التي تسوق لهويات متعددة للدنمارك، الهوية الاستثمارية، الهوية السياحية والهوية الصناعية ما حصر صورة الدنمارك في أذهان الناس بين الاقتصاد والسياحة. في عام ٢٠٠٥ حين انتشرت الرسومات المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم عاشت البلد أزمة خارجية حقيقية في هذين المحورين ما اضطرها للتعامل مع موضوع الهوية بصورة مختلفة أكثر تنظيماً. عام ٢٠٠٨ وحتى بعد إنشاء التنظيم السياسي الجديد مرت الدنمارك من جديد بأزمة هوية داخلية سببها مقطع ترويجي عن الدنمارك يحمل رسالة رسمية أسيء فهمها من الجمهور ما اضطر البلد لمراجعة توجهها من جديد واعادة التفكير في هويتها. معرفة هذا السياق عزيزي القارئ يثير الكثير من الأسئلة ويوضح أهمية مشاركة الدنمارك في إكسبو شنغهاي ٢٠١٠ وهي لا تزال تعاني من آثار الأزمات السياسية التي شوهت صورتها، إذ كيف ستسوق لنفسها في ظل أزمة الهوية في الخارج والداخل التي تمر بها؟ لا شك أن التعامل مع الهوية الوطنية مشروع متجدد مليء بالتحديات والقضايا الشائكة وهو في مجمله يحمل طابعاً سياسياً مهما حاول التملص منه والظهور بشكل منفصل. حين شاركت الدنمارك في إكسبو اختارت شعار حكايات الرفاهية wellfairytales في محاولة بارزة لترك انطباع مدروس عن هويتها. بدأ الجناح بعرض حوار بين أبناء البلد والزوار مبني علي سلسة من الفعاليات الثقافية والاجتماعية عُرض بعده مساهمة البلد في ثيم إكسبو شنغهاي الأساسي. في هذه المشاركة ركزت الدنمارك على تأطير مفهومها لقطاع السياحة والاقتصاد ولم تخلو من الرسائل السياسية الواضحة ما اعتبره الباحثون تطبيقاً واضحاً للهوية الوطنية بصورة تفاعلية متنوعة بدءاً من إمكانية السباحة في مياه مستوردة من البلد إلى تفاصيل التحكم بدرجة حرارة المكان لتعكس واقع الدنمارك في سياق غني سمح للحضور بعيش “روح الدنمارك” كما تم وصفه ولاقى استحسان جمهور متنوع من مختلف الثقافات والاهتمامات اضافة للعناصر التصميمية والمعمارية المحبوكة. استغلت الدنمارك في هذه الحالة مشاركتها لايصال رسائل واضحة للعالم ممتدة من إدراكها للأزمات التي مرت بها والتساؤلات التي فرضتها واستثارتها هذه الأحداث على الفئات المستهدفة في الخارج.

SHANGHAI, 10 March 2011. Visitors outside the Denmark Pavilion, Shanghai EXPO 2010. (Photo by Wojtek Gurak/Shanghai Expo 2010)
دروس من استضافة الفعاليات الكبرى
استعراض التجارب السابقة، وهناك الكثير منها، يعطينا فكرة واضحة عن مفهوم إكسبو وكيف تعمد الدول للاستفادة من مشاركتها في مثل هذه الفعاليات الضخمة لتوجيه رسائل مدروسة بحسب قراءتها للأحداث. نجد في بعض المشاركات رسائل تركز على صور حالمة للمستقبل وفي غيرها محاولة لنقل العناصر الثقافية لمقر المشاركة واتاحة الفرصة للجمهور لتجربة عينات ملموسة كفيلة بإثارة اهتمامهم للبحث أكثر عن مقومات البلد والفرص المتاحة. المشاركة التي تركز على التباهي المعماري فقط أو تحصر في عكس الغنى التاريخي أو الثقافي والاجتماعي أو المستقبل بشكل مستقل تضيع فرصة ذهبية في استغلال الحدث لصالحها. استغلال مثل هذه الفعاليات وتعاون القطاعات المختلفة منذ البداية في تحليل الوضع الراهن في الداخل والخارج ودراسة العناصر الأساسية وتحديد القيم الجوهرية التي تبنى عليها المشاركة لاحقاً نقاط أساسية لأي مشاركة فعالة. ترجمة هذه الرسائل لعناصر تصميمة ومعمارية بشكل تفاعلي ماهي إلا مرحلة أخيرة تغلف هذه المخرجات بصورة جذابة قابلة للعرض.
نحو استراتيجية متكاملة لتسويق المدن
يظن البعض أن تسويق المدن هو ابتكار صور بصرية وشعارات رنانة هدفها جذب السياح للمكان لكن تسويق المدن يجب أن يتعدى هذه العناصر الملموسة البسيطة ويهدف بشكل أساسي لمواءمة استراتيجية المكان بين ما يعتقده المواطنين، ما يسوق له، وبين القطاعات المختلفة المسؤولة عن تطوير المكان وبالتالي المساهمة في نشر رسائل منسجمة عن هوية المدينة للمستفيدين من خدماتها.
تواجه الدول تحدياً متجدداً في تحويل هذا الهدف لقنوات مفتوحة بين المواطنين وصناع القرار للمحافظة على الانسجام بين رؤية الناس والقطاعات المختلفة واشراكهم في العملية بشكل فعّال. وبلا شك فالأصل أن المواطنين لهم دور رئيسي في تشكيل هوية المدينة من خلال تجاربهم مع المكان وذكرياتهم عنه ولديهم رغبة قوية بشكل عام في المساهمة في تطوير ما ينتمون له. التصادم مع هذا الدور الطبيعي من خلال تسويق المدينة للمستفيد من الخارج فقط أو فرض صور عن المكان تتوافق مع ما يرغب به الزائر دون اشراك المواطن في تطويرها أو العمل عليها يعرّض دوره الطبيعي للتراجع أو المعارضة في بعض الحالات والانسحاب من العملية. في المقابل تسويق الهوية داخلياً بحسب المفاهيم البديهية المتوارثة عن المكان ليس بالضرورة أن يصل للمستفيد الخارجي ويلاقي استحسان تطلعاته للسياحة أو الاستثمار أو العمل والدراسة.
هوية المدينة لا يمكن أن تنشأ أو تحدد بناء على فعالية مستقلة مثل إكسبو أو فورميلا أو كأس العالم أو غيرها ورغم دور الفعاليات الكبير في عكس قيم جوهرية وتعريف المستهدفين من الخارج بالمكان والاستفادة من حجم الفعالية الضخم وعلاقات الممولين لها في مواجهة بعض الصور النمطية للمدينة وخلق رسائل قوية أو تقديم الناس بأسلوب مختلف، إلا أن استراتجية صياغة المدن يجب أن تفكر فيما هو أبعد من الفعاليات وألا تعتمد عليها بشكل أساسي وفي حال قررت الخوض فيها أن تضعها ضمن استراتيجية أكبر تحقق أهداف واضحة دون المساس بالهوية المستدامة للمكان. وبالتأكيد فإن كل العيون حالياً على المملكة العربية السعودية واستضافتها إكسبو ٢٠٣٠ يعد حدثاً مهماً أتطلع للمشاركة فيه ودعمه، بالإضافة إلى متابعة الآراء حول جوهره وأتوقع أن يكون هذا الحدث استثنائياً في أصداءه، خاصةً مع تزامنه مع نتائج رؤية ٢٠٣٠.
