هوية المدينة من وجهة نظر شخصية

لعلي أبدأ بطرح سؤال عنوان هذه المقالة عليك عزيزي القارئ، ماهو تعريفك الشخصي لهوية المدينة؟ بالتأكيد لديك جواب مثير للاهتمام ورأي شخصي عن مفهومك للهوية والذي في الغالب لن يتوافق مع تعريف شخص آخر لها.

لو طُرح علي هذا السؤال قبل أن أبدأ دراستي للدكتوراة كنت سأخبرك بأن هوية المدينة تعني مزيج من الصور البصرية المتنوعة من نمط العمارة السائد فيها لنوع النشاطات التجارية الدارجة والأطباق المفضلة لدى السكان. هوية المدينة هي ذكرياتي الشخصية عنها والمواقف التي جمعتني بشوارعها والتضاريس المختلفة فيها. على سبيل المثال هوية المنطقة الشرقية شخصياً، تمثل المنزل والعائلة والشاطئ والانضباط المرتبط بأرامكو والطعام المتنوع، سكانها يتميزون بالبساطة والمرونة وتقبلهم للثقافات المختلفة. ورغم التباين بين طبيعة الأحساء وشوارع الخبر وغيرها من المدن في المنطقة الشرقية إلا أن هناك صفات مشتركة بينهم تظهر واضحة حين تتعامل مع أبناءها وتميزهم حتى بعد انتقالهم لمدن أخرى. قد يخطر ببالك حين تفكر في المنطقة الشرقية معالم مثل مركز الملك عبدالعزيز الثقافي وقد تعني لك الطعام البحري أو أرامكو والنفط أو الأسواق الشعبية أو موقعها الجغرافي وقربها من عدد من دول الخليج. لاشك أن هناك صور نمطية منتشرة حول المدن إضافة إلى تأثر الأفراد بسردية مرت عليهم أو فيلم ترك انطباعاً قوياً عمّا يمثله المكان ناهيك عن التجربة الشخصية للفرد والتي بلا شك تترك فكرة محددة في ذهنه عن البلد.

لكن ماذا تعني هوية المدينة علمياً من وجهة نظر التخصص؟

أحاول في هذا المقال عرض رحلة التفكير في تعريف مناسب لهوية المدن من خلال طرح المفاهيم المختلفة والتراجم المقترحة في المجال وأختم باقتراح لمصطلح يناسب مجالي البحثي

ما هي هوية المدينة؟ المفهوم العلمى والنظرة التخصصية

أدرس حالياً خلال بحثي الدكتوراة موضوع place branding وهو ما ترجمته مبدئياً لهوية المكان. تهدف الدراسة البحثية التي أعمل عليها لفهم أدوار الناس في تشكيل هوية المكان والأسباب التي تدفعهم للمشاركة في عملية التغيير أو التطوير و يهتم سؤالي البحثي بالعلاقة بين صناع القرار والمواطنين أصحاب المكان ومساعدة صناع القرار والعاملين في قطاع تسويق المدن على ادارة استراتيجيات التعامل مع المستفيدين وتمكينهم من الوصول لأدوارهم المهمة والأساسية في العملية

حين يسألني أحدهم عن موضوع دراستي، أجد صعوبة في اختيار الكلمات المناسبة والدقيقة لوصف المشروع! أحد الأسباب يرجع بنسبة كبيرة للتفكير التقليدي بوجود تسلسل اصطلاحي بين تخصص البكالوريوس الأساسي وما يليه وصولاً لرسالة البحث. ورغم انتشار مفهوم هوية المدن وكوننا نعيش مثال حيّ شاهد عليه من خلال رؤية السعودية ٢٠٣٠ إلا أن تعريف المصطلح يختلف بحسب خبرة الشخص واطلاعه. البعض يترجم الفكرة مباشرة لتسويق المدن والحملات الدعائية التي تروج للمواسم السياحية أو من خلال ربطه بالشعارات التسويقية لمدن مركزية مشهورة مثل نيوريوك أو دبي وآخرون ينظرون للعمارة التي تعزز طابع معين للمكان ولعل المشهد السعودي لهوية المدن مزدهر بالمسوقين والمعماريين المتميزين في المجال ما يعزز مثل هذه الترجمات عن هوية المدينة. هذا الاختلاف للمفاهيم يعكس الاختلاف البحثي حول الموضوع وقد تتعجب عزيزي القارئ من غياب الاجماع على تعريف واحد للمصطلح بل يتبنى كل باحث سرد المفاهيم التي تخدم الزاوية التي ينظر من خلالها للموضوع.

حين وصلت في بحثي لمرحلة جمع البيانات وتصميم المقابلات الشخصية مع عدد من المختصين توجب عليّ ترجمة مفهوم place branding كإطار بحثي لما أقوم به خلال بحثي الدكتوراة وواجهت تحدي كبير في إيجاد الترجمة المرادفة للسياق الذي أعمل به بلغة بسيطة واضحة دون الحاجة للشرح المفصل. في البداية ترجمته ل تصميم العلامة الوطنية ووجدت أغلب الانطباعات تفترض أن موضوعي يدور حول العناصر البصرية للمدينة مثل علامات الطريق وشعارات المناطق أو الفعاليات الخاصة بالمكان. وقعت في حيرة من أمري حيث أن الترجمات الأخرى المقترحة من زملائي لا تخدم السياق الذي أعمل عليه وتأخذ القارئ لافتراضات ليس لها علاقة بموضوع الدراسة. مصطلح تسويق المدن على سبيل المثال يَفترض أن هوية المدن هي استراتيجية تركز على القطاع السياحي لوحده ويوجه أغلب جهوده لزيادة الدخل الاقتصادي من خلال الأنشطة السياحية وتمكين رجال الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة في المجال. من الأمثلة الأخرى السائدة استخدام مصطلح هوية المدينة الذي يصور للسامع أن الموضوع معني بالهوية البصرية للمكان أو البنية العمرانية للأحياء أو مرتبط بمفهوم أنسنة المدن الدارج حالياً والذي يختص بتصميم المكان من وجهة نظر الإنسان أولاً. ماهي الترجمة الأقرب إذاً لمصطلح place branding?

التحديات اللغوية في ترجمة Place Branding إلى العربية

حين يقام مؤتمر طبي تبحث عن الأطباء وحين تدرس هوية المدن تبحث عن …؟

هل من المهم أن نجد الترجمة الصحيحة لهذا المصطلح؟ حين أتحدث مع زملائي المتخصصين في المجال لا تكون هناك مشكلة لأن المعرفة موجودة وهناك لغة وثقافة مشتركة بيننا بحكم الخبرة، لكنني وجدتها مشكلة حقيقية حين يسألني أي شخص آخر عن موضوع دراستي أو حين أحاول شرح ما أفعل مع الأخذ بعين الاعتبار المسار الغير تقليدي لتخصصي. بشكل متكرر أجد تصلني تعليقات بأن التخصصات التي مارستها من تصميم الجرافيك إلى تصميم البيئات الروائية لما أعمل عليه مؤخراً من هوية المكان تبدو من الخارج لغير المتخصص كمواضيع يمكن لأي شخص أن يتعلمها بالممارسة دون الحاجة للتخصص بها، فكم من مصمم بارع لم يدرس التصميم أكاديمياً؟ ولا شك أن هناك العديد من المبدعين في المجال ممن تشهد لهم أعمالهم بذلك، لكن هذا الأمر يجعل ايجاد ترجمة دقيقة مسألة ملحة وفي غاية الأهمية كي نتمكن من الفصل بين المعرفة والاطلاع وبين التخصص الدقيق.

تعجبت حين بدأت دراستي للدكتوراة بأن هذه المعضلة في ايجاد التعريف المناسب لا تزال حية وأن حصر مفهوم البراندنق في الشعارات والهويات البصرية لا يزال يشكل جدلاً في البحوث العلمية في بيئات يعتبر التصميم فيها ثقافة تدرس وتمارس منذ الأزل. حين يكون هناك مفهوم سائد عن مجال معين وصورة نمطية عن شكل ممارسته من الصعب تغيير كل هذا باقتراح مصطلح جديد أو جهود فردية بل يتطلب الموضوع أجيالاً تأسست على فكرة جديدة تصبح هي السائدة بدورها وتتغلب على الصورة النمطية التي سبقتها. يعرف الشخص امكانيات المصمم المحترف ومهاراته المميزة حين يتعامل معه بعمق وبالرغم من وجود مبادئ واستراتيجيات جوهرية قابلة للتطبيق في مختلف المجالات وسهلة الوصول للمتخصص وغيره وأجدها أساسية تميز المطلع عليها بالمرونة والإبداع في حل المشكلات مهما كان مجاله، إلا أن المتخصص يمتلك مهارات مختلفة.

بحكم خبرتي في تصميم الجرافيك والوسائط المتعددة وعملي الأكاديمي في المجال تبدو المشكلة متجذرة في مفهومنا لمصطلح البراندنق بشكل عام. لا زلت أتذكر ثورة المصممين ومحاولاتهم المستميتة المستمرة في اثبات أن التصميم هو أكثر من شعار وأن البراندنق أعمق وأوسع من هوية تطلب من الانترنت واستدلالهم بالعديد من الهويات العالمية لاثبات وجهة نظرهم. ورغم أن هناك اجماع على هذه الفكرة إلا أن واقع سوق العمل والممارسات الحالية المتوقعة من المصممين تعكس غير ذلك. قبل عدة سنوات تم اقتراح مصطلح “ايسام” للتعبير عن مفهوم البراندنق بالعربية وقد أثار الكثير من النقاشات بين مؤيد ومعارض. العديد من العاملين في المجال أثنوا على المصطلح وتم اعتماده من قبل بعض الكتاب في المجال واستدلوا به. لكنني نادراً ما أجده يستخدم خارج أوساط المصممين ولا أعرف إن كان يحافظ على استخدامه حتى هذه اللحظة. بغض النظر يبدو لفظ ايسام المدن أو وسم المكان بعيداً جداً عن المعنى المنشود ولا أظن أنها الكلمة المناسبة للاستخدام في هذا السياق.

الرؤى المختلفة لهوية المكان

دعونا نعود للبحث العلمي كي نفسر هذه الاجابة. Place branding في أصله ينحدر من علوم التسويق وهو علم حديث لم يكن له كيانه المنفصل عن التسويق والعلوم الأخرى إلا في السنوات الأخيرة. على سبيل . حين تبحث في المقالات العلمية والكتب المتخصصة في المجال تجد أن نقاش هوية المكان يتناول من وجهات نظر متشعبة مثل علوم التخطيط الحضري للمدن، علوم السياسة والحوكمة، السياحة والاستثمار وعلوم الاستدامة وغيرها الكثير ويصنف التخصص بناء على هذا أنه متعددة التخصصات أو ما يعرف ب multidisciplinary. يمنح هذا التنوع هوية المكان عمقها ويثري القطاع حيث يجتمع المختصون من مختلف المجالات ضمن مكتب، لجنة، هيئة، بلدية، وزارة أو حكومة لوضع استراتيجية المكان والخطوات اللازمة لتنفيذها

حين تبحث عن تعريف علمي للتخصص تفاجئ بعدم وجود اجماع حتى الآن على تعريف واحد بل عادة ما تسرد المفاهيم المختلفة المطروحة من مختلف الدراسات ثم يضع الكاتب مفهومه الخاص المتوافق مع موضوع دراسته.

رغم غياب التعريف إلا أن هناك عدد من المفاهيم العامة المشتركة عن تخصص هوية المكان ومن الأمثلة على المفاهيم التقليدية التي نشأ عليها التخصص هو المفهوم المعتمد على النظر في عناصر المكان التي يمكن تسويقها وتحويلها لمنتج قابل للبيع للمستثمر الأجنبي والسائح. أو التركيز على قياس أثر العوامل المختلفة على الانطباعات المختلفة عن المكان وتطويرها لتخدم الاستراتيجية المطروحة للمنطقة. الهدف أولاً وأخيراً من فهم التخصص من هذه الزاوية هو زيادة النمو الاقتصادي وجلب الاستثمارات الأجنبية للداخل مما يجعل المستهدف الأول من الاستراتيجية هو المستثمر أو السائح ويتم التركيز على دراسة اهتماماته ورغباته بعيداً عن معنى المكان التاريخي أو مفهوم المواطن والمقيم عن المكان. في حالات نادرة تتوافق حقيقة المكان مع الصورة التسويقية له ويتم توظيف العناصر التاريخية والتراثية، لكن تسويق المدن بهذه الطريقة يواجه العديد من الانتقادات التي تزعم أن الهدف الاستثماري يجب ألاّ يأتي أولاً وأنه بالإمكان تحقيق الثروة الاقتصادية بشكل تلقائي في حال تسويق المدن من وجهة نظر المواطنين.

هوية المدن: من التسويق إلى التمكين

تعريف هوية المكان كفكرة متبادلة بين أطراف مختلفة يركز على سلوك الأشخاص داخل العملية ويهتم بالانصات لما يرونه حقيقة المكان قبل أن تقوم أي جهة عليا بتخطيط استراتيجية المكان واللجوء للشركات الاستشارية لوضع أجندة مستقبلية للمنطقة. تبني هذا التعريف يفترض أن “أهل مكة أدرى بشعابها” وأن المواطنين يملكون الأصل أو المواد الخام لشكل الهوية والتي بدورها تتشكل وتصقل مع كل تفاعل بينهم البعض أو بينهم وبين المستهدفين من الخارج.

بالطبع يبدو هذا المفهوم جذاباً وممكّناً لكنه في نفس الوقت واجه العديد من الانتقادات لصعوبة تنفيذه نظراً لتعدد الأطراف المعنية بالمكان: كل طرف بصورته الخاصة ورؤيته المختلفة التي تتباين وقد تتعارض مع الأطراف الأخرى. أضف لذلك استحالة معالجة الاهتمامات المتنوعة من ناحية ادارية مما قد يؤدي لتفضيل تصور فئة منتقاة على حساب الأخرى وطرح سؤال جوهري في هذه العملية عن ملكية المكان ومن يملك قرار تحديد هوية المكان وهل تحدد استراتجية معلنة حول مستقبل النطاق الجغرافي معناه لدى الأشخاص في الداخل والخارج؟

التعريف العملي: صياغة المكان كأداة للتغيير

تقودنا هذه الفكرة للمفهوم الثاني الأكثر شيوعاً في البحث العملي حين الحديث عن هوية المدن والذي يعتمد على رؤيتها كفكرة متبادلة بين عدد من المستفيدين من داخل المكان مثل المواطن والمقيم والمستثمر المحلي وخارج المكان مثل المستثمر الأجنبي والسائح بشكل مستمر ومتجدد. تأخذ الفكرة شكلها من علاقة الشد والجذب بين كل الأطراف المشاركة في العملية. تأتي رؤية الهوية من الداخل بناء على العلاقة التاريخية والذكريات والعيش في المكان ومعرفته كمواطن. في المقابل الصورة الخارجية التي يعرفها المغترب أو السائح الداخلي أو الأجنبي غالباً ما تختلف وتبنى على تجربته المحدودة في المكان أو طبيعة الإعلان الذي وصله عن البلد أو علاقته المبنية في نطاق العمل أو الدراسة أو الصور المكررة التي شاهدها في الأفلام والمسلسلات وغيرها. يذكرنا هذا بالتعليقات المضادة للسياحة المنتشرة حول المدن السياحية المشهورة مثل دبي ونيويورك حين نجد المواطنين ينفرون من الوجهات السياحية ويتجنبون الذهاب لها ويكررون نفي علاقة ما يفعله السياح بما تعكسه وتحتاجه المدينة في الحقيقة.

من التعاريف الأخرى المبنية على فهم هوية المدينة كمحاورة فكرة فهم الهوية كنشاط جماعي يتضمن فئات متعددة الخلفيات والتخصصات والرتب ولذا يلجأ المؤمنون بهذه الفكرة لاستخدام أساليب نوعية مثل مجموعات التركيز والمقابلات الشخصية للوصول لمفهوم مشترك وبناء استراتيجية تعاونية تقرب قدر المستطاع بين وجهات النظر المتباينة.  يتشارك أصحاب هذا الاتجاه مع الداعين لرؤية المكان كعنصر متغير بحسب التفاعلات الاجتماعية التي تشكل بدورها نظرتنا للمكان. من الجدير بالذكر أن علاقتنا بالمكان متغيرة بحسب اختلاف العناصر التي نتفاعل معها خلاله لذا فإن جوابك عن سؤال  ماهي هوية المدينة بنظرك اليوم؟ قد يختلف عن اجابتك في وقت لاحق وهذا يضع المزيد من التحديات لادارة الهوية ويؤكد على أهمية الانصات للناس ومعرفة مايحدد نظرتهم من وجهات نظر متنوعة. قد تكون العناصر الملموسة للمكان أحد أهم العوامل التي تؤثر على فهمنا للمكان مثل طبيعة العمارة والبنية التحتية أو وسائل النقل والخدمات المعلوماتية وغيرها لكن الهوية في نهاية المطاف تمرين ونشاط ذهني وفكرة يمكن قولبتها وتفسيرها بتراجم مختلفة تستند لعناصر ملموسة وأخرى غير ملموسة ذهنية ونفسية وغيرها. من وجهة نظر خارجية قد تحدد هوية المكان بالنسبة لك بناء على حفاوة الاستقبال أو موقف محرج مع سائق الأجرة أو تجربتك حين احتجت للذهاب للمشفى أو ذكرى استثنائية لزيارة معلم تاريخي أو سياحي في المكان.  في المقابل يعرف الأشخاص من الداخل صورة أخرى عن المكان من خلال تعاملاتهم اليومية ولا يهتمون بالقدر نفسه بالمعالم السياحية بل بعلاقتهم بالجيران وجودة الشوراع وتأثير صوتهم في تحديد مصير المشاريع القادمة ومدى استفادتهم من خدمات التمويل والتعليم وغيرها وتحدد كل هذه الأمور حقيقة المكان لديهم وقرارهم بالاستمرار في العيش فيه أو البحث عن غيره.

هوية المدن هي استراتيجية لها أهداف متنوعة تجمع عناصر مختلفة ملموسة والغير ملموسة في جوهرها تمكن المواطن والأجنبي من الوصول لفهم مشترك عمّا يمثله المكان

رؤية 2030 كمثال عملي على صياغة المكان

التعريف الأقرب لي من خلال اطلاعي هو دراسة هوية المكان كأداة تحول وتغيير تمكّن المستفيدين من الوصول لمصادر وخدمات لا يمكن لهم استخدامها خارج نطاق الهوية. يذكرني هذا التعريف كثيراً بالتغيير الذي نشهده في المملكة العربية السعودية وتأثير رؤية ٢٠٣٠ الذي نلمسه بشكل يومي في شتى المجالات. رؤية ٢٠٣٠ هي موضوع بحثي الدكتوراة وربما يراها البعض كاستراتيجية وطنية اقتصادية مجتمعية فقط لكن من خلال البحث والتحليل يمكن تفكيكها لأداة تغيير وتمكين على مختلف الأصعدة منها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. يمكن أن نقول بثقة كبيرة أن رؤية على هذا المستوى مكنت المستفيدين من الداخل والخارج من فرص ومجالات وتخطت العديد من الصور النمطية التي كانت عوائق مستحيلة، قبل ايجاد الرؤية، للمضي قدماً ولذا فرؤية ٢٠٣٠ هي أداة تمكين حية يشهد صدى مشاريعها الكبيرة المستهدفون في الخارج ويعرف تأثيرها أبناء الداخل من خلال ممارساتهم اليومية البسيطة.

الخطوة القادمة: نحو صياغة مفهوم جديد

بعد هذا السرد المطول للتعريفات المختلفة لتخصص place branding لا زلت أواجه صعوبة في ترجمته للعربية وأظن أن التحدي الأكبر هو تجاوز الفكرة النمطية السائدة عن مصطلح التسويق والبراندنق المحصور في تطبيقات محددة والتي تختزل الفكرة الأساسية وتحد من تطلعاتها. وصلت إلى أن الحل الأسلم هو البعد عن المصطلحات الدارجة والترجمة العربية الحرفية واللجوء لمصطلحين مختلفين: “صناعة” و “صياغة” ولعل الأقرب لي هو الثاني. صناعة المكان أو صياغة المكان هي ممارسة لتقنيات البراندنق والتسويق المختلفة للتأثير على التطور السياسي، الاقتصادي، الثقافي لأي نطاق جغرافي على اختلاف مساحته من دولة إلى مدينة أو حي ومجتمع. يتضح من خلال هذا التعريف أن صياغة المكان تتعدى العناصر البصرية وتشمل عناصر متنوعة يمكن التعامل معها من مختلف التخصصات والمناظير بحسب اهتمام الباحث وخلفيته العلمية. صياغة المكان تضع المواطن في قلب الأحداث وتأخذ بعين الاعتبار تنوع معنى المواطنة واختلاف المستفيدين في هذه الفئة من أصحاب التأثير والجاه إلى مقدمي الخدمات والمستفيدين الغير مباشرين من الاستراتيجيات. تضع هذه الترجمة موضوع دراستي في سياقه الصحيح وتجاوب على استفسار عادة ما يصلني ممن أقابلهم عن علاقة تخصصي برؤية ٢٠٣ ولماذا أقابل فئة متعددة التخصصات والخلفيات الاجتماعية والثقافية وهذا عزيزي القارئ يعود للتعريف الذي أتبناه حين أدرس صياغة المكان كأداة تمكين محورها الأساسي هو المستفيد الداخلي وتأثيرها الأنجح يبدأ من الداخل ويصل بشكل تلقائي للأشخاص من الخارج حين ينجح في الوصول لأهدافه ويحقق التغيير الاقتصادي المرجو من أي استراتيجية وطنية بمختلف النطاقات الجغرافية.

في ختام هذه الرحلة الفكرية، يتضح أن هوية المكان ليست مجرد شعار أو صورة بصرية تُعلق على لافتة، بل هي مفهوم متعدد الأبعاد يتشكل بتداخل السياسات، الثقافة، الاقتصاد، والمجتمع. الأهم من ذلك أن الهوية تعكس العلاقة الحية بين المواطن ومحيطه، مما يجعل تمكين السكان والاستماع إلى آرائهم جزءًا لا يتجزأ من نجاح أي استراتيجية. تبني مصطلح مثل “صياغة المكان” يفتح المجال لتفسير أكثر شمولية لهوية المدن ويعزز دورها كأداة تغيير قادرة على تحقيق التقدم. ستظل هذه الفكرة قابلة للتطور، مما يدعونا جميعًا للمشاركة في تشكيل مفاهيم جديدة تلائم تحديات المستقبل وتعكس روح العصر

موقع مثري حول الموضوع في هذه الصفحة تحديداً يقترح مجموعة من الكتب للمهتمين بالاستزادة من الموضوع

أضف تعليق