هناك صورة نمطية عن ارتباط تخصص تصميم الجرافيك بالشعارات والهويات التجارية فقط ولاأبالغ حين أقول أن مصمم الجرافيك سيدهشك في عدد المهارات التي يتقنها والمخرجات التي قد يفيدك بها والتي تشمل الشعارات وتتعداها في الأهمية. 

من أكثر الأمور التي تميّز تخصص تصميم الجرافيك هو تعدد المهارات التي يكتسبها دارسه بين مهارات التفكير والتحليل ومهارات التصميم والمهارات الحرفية. أضف إلى ذلك مرونة التخصص وقابليته لتبني توجهات جديدة ومواكبة التغيير بسهولة فمثلاً الأساسيات التي يتعلمها دارس الجرافيك عن أدوات تصميم المنشور بدأت بالكتب ثم الجرائد ثم طبقت على المنشورات المطبوعة المختلفة مثل الملصقات الإعلانية بمختلف مقاساتها ثم انتقلنا للمنشورات الإلكترونية التي تختلف تماماً في أبعادها إلى أن وصلنا لتصميم المنشورات على تطبيقات وسائل التواصل الإجتماعي وهي الأكثر شهرة حالياً لمصمم الجرافيك في سوق العمل. ظلت المعرفة الأساسية التي تزود بها المصمم نفسها واختلفت تطبيقاتها ولأنّ هذه المعرفة لم تأتي وحدها من مقطع على اليوتيوب يركز عليها فقط بل أعطيت مع مجموعة تراكمية واسعة من المهارات والمعارف كانت قيمتها في المرونة ومواكبة التطور أعلى واستطاع صاحبها مواكبة التغيير. 

Visual Merchandising

من المواد الجديدة التي أدرجت خلال السنتين الماضية مادة Visual Merchandising وللأسف الترجمة الحرفية لهذا التخصص لا تعبر عن معناه لكن إن أردنا تعريفه بشكل مبسط فهو التصميم التسويقي أو التصميم المعني بترتيب المنتجات وعرضها والذي يهدف إلى تحقيق هدف محدد مثل زيادة المبيعات ويتعامل مع المحيط ثلاثي الأبعاد في تصاميمه. حتى الآن أكثر العاملين في هذا المجال يمارسونه من خلال خبرتهم في التصميم الداخلي أو تصميم الأزياء وفي السعودية، أغلب العاملين فيه هم من جنسيات غير سعودية. تخيل أنك قررت الذهاب إلى أحد المجمعات التجارية، منذ لحظة دخولك لمواقف السيارات تبدأ الملصقات المختلفة بتوجيه حركتك وإرسال رسائل مختلفة لك مثل العروض الجديدة لأحد المحلات أو خدمات غسيل السيارات أو غيرها، ثم تدخل المجمع وتنهال عليك المعلومات من تهنئة بمناسبة وطنية إلى تخفيضات على منتجات مختارة إلى كشك يوزع عينات يلفت نظرك لمنتج لا تعرفه مسبقاً. وعند دخولك لأحد المتاجر تجد كل متجر يتنافس في ترتيب بضاعته وعرض المعلومات المهمة عليك حتى لحظة خروجك من المتجر وغيرها الكثير من المعلومات التي تهدف بشكل أساسي إلى حثك على الشراء وإيصال معلومة محددة جداً Call to Action.

هذا السيناريو يجمع بين علوم كثيرة ومن يعمل عليه ليس المصمم فقط بل خلفيات مختلفة من الإداري إلى صاحب المجمع إلى المصمم الداخلي إلى مصمم الإعلانات إلى المسوق والشركة المسؤولة عن التركيب وغيرهم كثير. وباختصار تخصص التصميم التسويقي إن صح التعبير يخدم كل صاحب مشروع تجاري متخصص على سبيل المثال في الأطعمة أو الأزياء أو ثقافي معني بالتراث والفن أو العلوم وغيرها. 


إذاً لماذا يُعنى مصمم الجرافيك بهذا المجال؟ 

مايميز متخصص الجرافيك أنه يجمع بين فهمه للتصميم وفهمه للمستخدم بصورة لا يتقنها غيره من المتخصصين. تركز هذه المادة على تعزيز العلاقة بين التصاميم والسياق الذي توضع فيه من واجهات المحلات أو أرضيات المجمع أو طريقة عرض الأعمال الفنية في المعرض وترتيبها أو نوع التصاميم المطلوبة في المتحف وغيرها من أنواع التطبيقات الموجهة ليس فقط في شكلها أو لونها وإنما طريقة ترتيب المعلومات والمعروضات فيها وتتابعها بحسب الأولوية والهدف منها. 

هذه المادة كما أُدَرسها حالياً تطبق مفاهيم التصميم التسويقي على مثالين أحدهما تجاري والآخر ثقافي. نتحدث في الأول عن تصميم واجهات المحلات بهدف إعلان لبضاعة جديدة أو تخفيضات أو المشاركة في مناسبة وطنية وأساسيات ترتيب المعروضات والتصاميم التابعة لها داخل المحل ونأخذ مثالاً تصميم محل هدايا Gift shop يتبع لجهة محددة. ونتناول في الثاني البعد الثقافي لهذه المفاهيم بتصميم معرض مصغر مع مراعاة تنوع الفئات المستهدفة من المعرض وتوزيع التصاميم وابتكارها بحيث تجمع بينهم بأسلوب متناغم.

كي أوضح فكرة المادة أكثر سأعرض مثال على أحد المشاريع التي عملت عليها طالباتي لتطبيق هذه المفاهيم.


تصميم هوية معرض كلية التصاميم

  يتم العمل على هذا المشروع خلال مجموعات مكونة من ٤ طالبات وفي هذا المثال تقسم الفئة المستهدفة إلى الطلاب الحاليين لعرض أعمالهم، الطلاب المتسقبليين الراغبين بالدراسة في كلية التصاميم، الداعمين والشركاء المستقبليين لجذب انتباههم لمخرجات الكلية، المهتمين بالتصميم بشكل عام. وبالتأكيد هناك مجموعات أدق للفئة المستهدفة لكن بشكل أساسي تعمل الطالبات على المجموعتين الأولى كفئة أولية والمجموعات الأخرى كفئة ثانوية توضع بعين الإعتبار.  يشمل المشروع في هذه الحالة دراسة رؤية الكلية وهدفها من هذا المعرض ودراسة احتياج واهتمام الفئات المستهدفة والعمل على ابتكار فكرة تجمع بين تحقيق الهدف وتلبية الإحتياج/الإهتمام. مخرجات هذا المشروع تشمل الفكرة الأساسية للمعرض، اللوح والملصقات الإعلانية، طريقة عرض الأعمال وترتيبها داخل المعرض، حركة المتسفيدين داخل المعرض وعلاقتها بالمعروضات المتنوعة.

مالفرق بين دراسة تصميم الهويات والعمل على التصميم التسويقي؟

  هذه المادة تعتبر من المواد الدقيقة والمتقدمة في التخصص ولايمكن أن يتقن مهاراتها المصمم قبل أن يتعلم أساسيات تصميم الهويات. في دراسة الهويات نركز أكثر على وضع الرؤية بشكل صحيح وإبرازها من خلال الهوية المتعددة التطبيقات من شعار أو بطاقات شخصية وغيرها للعلامة التجارية أو الحدث المعني. في التصميم التسويقي نركز أكثر على تطبيق هذه الهوية وتفعيلها على المساحة ثلاثية الأبعاد مثل لوح إرشادية أو منتجات معروضة أو ملصقات تعزز من التجربة مع الأخذ بعين الإعتبار حركة الفئة المستهدفة داخلها. مثلاً إذا أراد صاحب مقهى أن يحتفل باليوم الوطني، كيف يمكنه أن يحافظ على هوية المقهى الأساسية ويعبر عن احتفاله بهوية الوطن في نفس الوقت؟ كيف يجمع بين مايعرضه على مواقع التواصل الإجتماعي ومايعرضه في المقهى من منتجات وخدمات وغيرها؟ أين يضع المنتجات الخاصة بالمقهى والتي تعبر عن المناسبة؟ … لذا فالمادة المطروحة هنا متخصصة وتُعنى بتطبيقات أكثر تقدماً ومشاكل تصميمية أكثر تشعباً

أستطيع القول بثقة تامة أن مصمم الجرافيك يبدع في هذا المجال كما لايبدع غيره ليس فقط لأنه حسه الفني أعلى ولكن والأهم من ذلك أنه يمتلك مهارات التفكير المطلوبة والمهارات التقنية لتطبيق أفكاره بأفضل مستوى. 

ماذا بعد؟

  ماأريد أن أوصله لك بطرحي للمواد الجديدة التي تدرس في تخصص تصميم الجرافيك هو أهمية المرونة. لقد أخبرت طالباتي في مرات كثيرة عن الدراسات التي تزعم أن تخصص الجرافيك بشكله الحالي لن يكون له مستقبل بسبب سهولة التقنية المتوفرة التي تسمح للجميع أن يكون مصمماً. وبغض النظر عن صحة هذه النظرية وعدد وجهات النظر المؤيدة والمعارضة لها، فإنها تفتح عقلك على فكرة جديدة بمستقبل مختلف في شكله عمّا تعرف ويكاد هذا الأمر ينطبق على معظم التخصصات إلم تكن جميعها؛ معرضة للموت مالم تتطور. 

إذا حضرت المرونة زال الخطر 

المرونة في التخصص باستيعاب متغيرات ومتطلبات سوق العمل مما قد يعني التغيير الجذري في بعض الأحيان. المرونة لمن يُدَرس في التخصص بتقبل التغيير الذي يفرضه عليه تطور العلوم والمعارف والتقنيات وعلاقتها ببعضها والمرونة في طريقة تفكير طالب العلم بعدم أخذ العلوم بالحرف وإنما التركيز على جوهرها ومواكبة تطورها.

هذه الصفة يجب أن تكون منهجك في طلب وتلقي العلم بحيث لا تحصر تفكيرك فيما تنظر له الآن ولا تقيس المستقبل على المعطيات الموجودة فقط سواء عرفتها في الماضي أو كنت حديث الإطلاع عليها لأن كل مافي هذا العالم قابل للتغيير بسرعة وحين تركز على الفِكر والرؤية كأساس فإن إتقانك لمهارات التطبيق سيحصل كنتيجة طبيعية لفهمك مهما اختلفت التقنيات. لقد قابلت العديد من الأشخاص الغير عاملين والذين تخرجوا من تخصصات كانت يوماً ما في أوجها لكنها لم تمنحهم وظيفة العمر وبكل تأكيد فإن مااكتسبوه من معلومات فقد قيمته مع سرعة التغيير وقابلت في المقابل الكثير من العاملين في مجالات لا تشبه دراستهم وقد أبدعوا فيها كما لم يبدع المتخصص الدقيق وأعتقد أن السبب الأساسي في ذلك هو تمتعهم بالمرونة في فهم التخصص وعدم اكتفاءهم بتلقي العلم دون إدراك أو ربط

هناك العديد من الأفكار الجيدة والمساهمات القيمة التي يمكن للفرد أن يقدمها للعالم إذا طور من مهاراته الإدراكية واستوعب التغيير. هناك الكثير من الفرص المتاحة حين تستوعب أنه لاحدود لإبداعك في تخصصك وأن العائق الوحيد يكمن في أسلوب تفكيرك.

One thought on “ 02/02 تصميم الجرافيك أكاديمياً بصورة جديدة ”

اترك رداً على العنود إلغاء الرد