لم أتعلم كيف أكتب الرسالة، بل تعلمت كيف أجد طريقتي في كتابتها.
من أكثر الأسئلة التي تؤرق طالب الدكتوراة، كيف أكتب الرسالة؟ تبدو المهمة مستحيلة من بعيد ومرعبة حين تتأمل عدد الصفحات المطلوبة ودقة المهارات النقدية والكتابية المتوقعة لإنجاز المطلوب ومثل كثير من الباحثين في أول الطريق، ظننت أن هناك وصفة جاهزة لكتابة الرسالة أو مرجع منقذ يحتوي على نماذج وأمثلة يمكن أن أستلهم منها، لكن التجربة علمتني أن أصعب ما في المرحلة ليس الكتابة نفسها، بل مقاومة الاعتقاد بأن هناك قالب واحد للكتابة يناسب الجميع.
خلال رحلة الدكتوراة الفردية الطويلة يبحث الطالب متعطشاً عن بصيص أمل راجياً أن خطاه على المسار الصحيح. هذا التأكيد لا تجده أبداً من مشرفك، فمعظم الاجتماعات مع فريق الإشراف تركز على المفقود وتبحث عمّا يمكن تطويره وتمحّص الخلل لتحسين جودة الرسالة. أما زملاؤك فأنتم سواسيه في البحر غرقى، تحاولون قدر استطاعتكم وليس من ضامن! ناهيك أن التجارب شخصية جداً بها العديد من المتغيرات الخارجة عن السيطرة. لذا فيبدو الناجي من هذه التجربة: من نجح في التسليم ونجا من المناقشة واقفاً على الضفة الأخرى من القصة، كمن يملك مفاتيح الوصول.
في رحلة البحث عن سؤال كيف أكتب وعلى مشارف السنة الرابعة حضرت لقاءً عن تسليم رسالة الدكتوراة والاستعداد للمناقشة. وكعادة رحلة الابتعاث خصوصاً لسنوات مثل الدكتوراة، فهي لا تخلو من صعوبات متوقعة وأخرى مفاجئة، والمتحدث حديث العهد بالتجربة مرّ برحلة دراسية طويلة أطول من المعتاد أثرت تجربته بالتحديات. كنت حريصة جداً على اللقاء الذي امتد لساعتين أنصتُ فيها إنصات الباحث الملهوف عمّا قد يعينني على المرحلة القادمة.
كان اللقاء شيقاً والعرض مليئاً بالنصائح على طريقة “افعل” و”لا تفعل”. تحدث الطالب بثقة كبيرة وحضور طاغٍ طال فيه التنظير وإسقاط التجربة الشخصية كنموذج ناجح أوحد يحتذى به. ومن أهم عناصر النجاح التي ذكرها المتحدث العزلة والتفرغ التام لمرحلة الكتابة عن أي انشغالات أو مشتتات من علاقات اجتماعية أو غيرها ومن وجهة نظره مقابلة الأصدقاء في مرحلة الكتابة رفاهية لا تريد دفع ثمنها، لم تكن هذه النصيحة غريبة حيث جرت العادة أن يدخل الطلاب كهف الكتابة ولا يخرجون للنور إلا بعد التسليم.
قلّما تخلو تجربة الابتعاث من تحديات جوهرية وتختلف قدرات الناس في التعامل مع الضغوطات، والكتابة بلا شك مرحلة حرجة في البحث نتيجتها مصيرية بغض النظر عن مستواك في المراحل التي سبقتها ويكون الطالب فيها تحت ضغط كبير لتقديم عرض مثالي ولاستخدام الكلمات في محلها الصحيح والتعبير بالمعنى الدقيق عن بحثه بلغة ليست لغته الأم تحمل تحديات تقنية وإبداعية خاصة بها. الكتابة الأكاديمية كما يقول مشرفي هي لغة ثالثة لها حرفتها ومهاراتها وللأسف فنحن نتعلم الصنعة بالممارسة متأخراً وعلى طريقة جرب واغلط وليس بمنهجية تتناسب مع التوقعات ورغم وجود العديد من ورش العمل التي تقدمها الجامعة وتطور وسائل التنقيح تبقى تحديات الكتابة الأكاديمية حقيقة لا يمكن إنكارها.
وقد يظن البعض أن تقدير نجاحه اجتماعياً مرتبط بعرضه لصعوبة ما مرّ به فيعمد إلى المبالغة والتصعيد في وصف التحديات كي يبين قدرته الاستثنائية في التعامل معها والوصول للنهاية رغم الصعاب وهذه طبيعة البشر التي جرت عليها المقادير.
خرجت من اللقاء ألتقط أنفاسي ولم أستطع النوم بعده لأيام. أيعقل ما سمعت؟ هل تبدو المرحلة القادمة بهذه الشدة وعلى هذا القدر من الضغط؟ المتحدث لم تكن لديه التزامات اجتماعية أو عائلية وقد فرّغ نفسه للدراسة و للكتابة تماماً في ٨ أشهر تزيد أو تنقص. يخبرنا من تجربته أن مرحلة الكتابة مختلفة تماماً عن سابق خطوات البحث وأنه خصص مساحة ثابتة لها لا يغيرها أبداً والتزم يومياً بساعات محددة لم يكن يخرج خلالها أو يلتقي بأحد. فكرت في هذه التجربة الناجحة وتأملت في العوامل المشتركة بيننا وخلصت إلى أنني لا أملك هذه الرفاهية مع طفل وآخر في الطريق وفكرت في نفسي: كتابة الرسالة مهمة مستحيلة والأحرى أن أطلب تأجيل التسليم!
نوبة هلع تسارعت فيها نبضات قلبي وشعرت أنني لا أستطيع التنفس أو تمالك أعصابي وأخذت أبكي وألتقط أنفاسي أحاول تهدئتها. هل يعقل ألا تنتهي الرحلة لأنني لم أستطع التفرغ من مسؤولياتي الأخرى؟ ناهيك عن خوفي من المرحلة المقبلة والتعامل مع طفلين في الغربة والكثير من الأسئلة المفتوحة التي فجرّها هذا اللقاء. قررت بصعوبة أن أترك الموضوع وأعيد التفكير فيه لاحقاً.
إيجاد الطريق المناسب
بعد يومين فصلت فيها عن الموضوع وراجعت فيها تقدمي حتى الآن ورحلتي منذ البداية التي لا تشبه رحلة أخرى وصلت لنتيجة مهمة أن ليس للإنجاز شبيه وإن تلاقت المسميات. لا يمكن أن تقارن رحلة شخص بآخر أو أن تضع قواعد تعنونها بما يجب فعله. ومن السهل أن تقول هذا الكلام بعد انتهاء الرحلة لكن استيعابه وأنت في عمق المرحلة يحتاج للكثير من العمل على مفاهيم معقدة متراكمة حول العمل والإنجاز وأسلوب الحياة. راجعت نفسي وأسلوبي في العمل والعوامل الخاصة فيني التي تزيد من انتاجيتي والتي ساعدتني على الوصول لأفضل انجازاتي المهنية. ساعدني على الفهم أسئلة عملية تفرغت للاجابة عليها بجديّة كي أقيّم الوضع إضافة لعدد من الحوارات العميقة مع الأصدقاء. فكرة العزلة لإنجاز مهمة قد تكون فعّالة لكنها لا تتناسب البتة مع شخصيتي ولعلها ستؤدي لما يضرّ بنفسيتي وجودة العمل تباعاً وتستغرق مني وقتاً للتعافي يزيد من الوقت اللازم لإنجاز المهمة.
قررت أن أضع جدول يتناسب مع طاقتي والمصادر المتاحة لي. كنت وقتها في نهاية تحليل البيانات، وبدأت أكتب في فصلين كلما أرسلتهما لمشرفي أعادهم لي دون أن يقرأهما. كنت أحلل وأكتب في نفس الوقت حتى بدت الأيام كأنها سنوات من طولها والمهمة قُدّر لها ألا تنتهي. تعلمت بعدها أن هذه الدوامة جزء طبيعي متوقع من التجربة، الأصل ألا يقرأ المشرفون كل ما ترسله، الأصل أن الكتابة عبارة عن دائرة من المهام المكررة وبلا شك الكثير من الكتابة والحذف والبدء من جديد. في الدكتوراة وسيلتك للتواصل والمهمة بأبسط وصف هي الكتابة والوصول لدرجة عالية من الوضوح فيما تحاول ايصاله وابراز مهاراتك النقدية والتحليلية. يصبح الاسترسال في الكتابة في هذه الحالة هو أداتك للتفكير وهو تمرين واحد مكثف كي تحقق النتيجة.
حين أعود إلى لكمّ المسودات التي كتبتها وأبدأ في قراءة ما اعتقدت أنه جاهز حينها أدرك كم كانت الكتابة مهمة لبلورة الفكرة وايصالها بأفضل طريقة ممكنة. في النهاية يعتمد النجاح في هذه الرحلة على جودة التسليم المكتوب وهذه المهارة مثل أي حرفة تحتاج إلى الوقت والكثير من التدريب لتُصقل. يمكنك بشكل واضح أن تقرأ تطورك من عدد المسودات وبلا شك ستجد بداياتك متواضعة وغالباً ستضحك على ثقتك العمياء واصرارك أن المشكلة تقتصر على طريقة مشرفك في التصحيح.
تحت الضغط تبدأ الشكوك تراودك لمَ تأخذ مني هذه المهمة كل هذا الوقت؟ هل المهمة بهذه الصعوبة أم أنني لا أملك المهارات لها؟ لو كنت أعرف وقتها ما أعرفه الآن لهونت على نفسي الكثير ولأخبرتها أن رحلة الكتابة رحلة تعلم فردية نكتسب مهاراتها اللازمة من خلال الاعادة وأن هذه الكتابة التي لم أعطها قيمة وأردت أن أنتهي منها بأسرع وقت هي التي توصلك للدرجة المطلوبة من التحليل والنقد المطلوب لباحث الدكتوراة.
مرت ثلاثة أشهر وضعت بعدها طفلي ودخلت في دوامة أخرى من القلق والهواجيس اللانهائية وقد أوشكت على فقدان الأمل بل أظن أنني قررت أكثر من مرة أن هذا المشوار لا فائدة منه سوى تعذيب نفسي وعائلتي وأن النهاية مستحيلة. الحمدلله أن سخر لي مشرفاً متعاوناً متفهماً لظروف الأم الطموحة وحين أتحدث مع زميلاتي أعرف من تجاربهم مع مشرفينهم أن هناك من يتعامل بنديّة مع الظروف ولا يمكنك تخيل حجم الضغط الذي يتعرض له الطالب في هذه الحالة. أحب أن أفكر في الدكتوراة كأي رحلة دراسية أخرى الهدف منها التعلم واكتساب مهارات أكاديمية تحليلية عالية. تهوّن عليّ هذه الفكرة كثيراً وتنقذني من التعامل مع تحدياتها كمسألة حياة أو موت
كنت قد سلمت مشرفي نسخة للتدقيق قبل ولادتي ومن قلقي وخوفي من هذه المرحلة لم أقدم على أي اجازة رسمية بعد ولادتي واستمريت في العمل مع رضيعي وأنا أحدث نفسي “لا أملك رفاهية الإجازات على هذا العمل أن ينتهي”. لم أكن أفكر وقتها في نفسي فقط بل في عائلتي الصغيرة وزوجي ومسؤولياتي الأخرى وقد ضاقت بي السبل في غربة أردتها أن تنتهي بأي طريقة. بعد ولادتي بثلاث أشهر عدت للسعودية، وفي محاولة لايجاد وقت للعمل في الظروف الجديدة وضعت ابنتي الأكبر في حضانة مؤقتة وحاولت أن أرتب وقتي للعمل مع رضيع في المنزل. جلست وقتها شهرين أو أكثر في قلق مستمر أجاهد الوقت للإنجاز ومحاولة التعافي، أشعر بالتقصير وأنني أضيّع وقتي. في هذه المرحلة قررت أن آخذ اجازة من الكتابة في انتظار تعليقات مشرفي وأن أركز على شيء آخر. عملت على ورقة علمية ورغم متلازمة الاحباط التي مررت بها إلا أنني خرجت بأفضل أعمالي حيث فازت مشاركتنا بأفضل ورقة علمية ضمن النسخة الأكبر من المؤتمر. كنت أحتاج هذا الإنجاز لرفع معنوياتي وثقتي بنفسي والشعور بأنني في مكاني الصحيح.
عدت إلى بريطانيا بعدها في رحلة ثقيلة جداً على قلبي وعلى ابنتي الأكبر. بدأت أجرب روتيناً يناسب العائلة بشكلها الجديد يمكنني فيه أن أنجز المطلوب وكلام اللقاء الذي حضرته يرن في اذني في كل خطوة وينذرني بالفشل إن استمريت على وضعي الحالي. لم أرد أن أضع ابني في حضانة وهو بهذا العمر الصغير وألهمني الله أن أبحث له عن جليسة أطفال في المنزل. بعد تجارب فاشلة عديدة والكثير من المقابلات والمفاوضات حول الخبرة والوقت والتكلفة سخر الله لي جليسة أدين لها بانجازي بعد الله في تلك الفترة ولله الحمد. اتفقت معها على وقت محدد وسخرها الله لي بحنيتها عليّ و على أطفالي ومراعاتها لظروفي ما جعلني قادرة على تخصيص وقت للعمل دون مقاطعة. كانت واعية بقلق الانفصال وخوفي على طفلي فكنت حين أخرج ترسل لي رسالة تطمئنني وحين أسألها تؤكد علي أن كل الأمور بخير. كانت تتعمد أن تقول لرضيعي بصوت أسمعه “أمك تحقق أحلامكم وسنلعب حتى تعود” ورغم بساطة لغتها إلا أنها كانت تفيض بقلبي.
العمل في الوقت المتاح
مرت هذه المرحلة بأسابيع من التأقلم حتى وصلنا لنظام مريح للأسرة ولله الحمد. علمتني هذه التجربة مبدأ العمل في الوقت المتاح وهذا المبدأ على بساطته يتعارض بشكل أساسي مع تعليمي الجامعي في الهندسة والتصميم. يتبرمج المصمم إما أن يعمل بمزاجه وينتظر لحظة الإلهام التي تخرج أفضل أعماله أو يعمل دائماً لأن الراحة مضيعة للوقت. تجربتي في الدكتوراة علمتني مع مسؤولياتي الأخرى أن لديك اطار زمني محدد للعمل عليك الالتزام به. وبصراحة ستقابل في مجال العمل من يتذمر من توظيف النساء والعمل مع الأمهات لكن تجربتي في الدراسة مع طفلين غيّرت مفهومي تماماً عن هذه الفكرة، وحين عدت للسعودية مؤخراً أطلت التأمل في موضوع الأم العاملة ووجدت اختلافات كبيرة يصعب تعميم صورة واحدة عن شكل هذه التجربة لكنني أستطيع أن أؤكد لك أن الأم تدرك معنى تنظيم الوقت وإدارة المهام كما لا يدركه أي شخص آخر وهذه من أهم صفات الناجحين بمختلف مجالاتهم.
بعد أشهر كتبت الرسالة وسلمتها ولله الحمد وحيدة مع طفلين. وجواباً عن تساؤلك: كيف؟ أقول ببساطة قد تفاجئك، نظمت وقتي خلال الأسبوع في ساعات عمل تبدأ من العاشرة حتى الرابعة أو الخامسة. ساعات عمل متواصلة يتخللها نصف ساعة من الاستراحة فقط. رغم قلة الساعات كنت أعوّل على فكرة العمل التراكمي الذي يؤدي في النهاية لإنجاز متكامل على عكس فكرة العمل المتواصل العشوائي. أبدأ يومي بفكرة محددة أكتب عنها وأنهي اليوم وقد وصلت للبّها وفي الغالب أصل لعمق الفكرة على مشارف الساعة الخامسة ولولا ارتباطي باحضار ابنتي من المدرسة لربما واصلت العمل لخمس ساعات أخرى. من أصعب الأفكار التي جاهدت لأتبناها أن انتهاء اليوم بقدر محدد من التقدم على بساطته هو انجاز بحد ذاته وأن غداً يوم جديد لاستكمال النقص. أعود للمنزل بعد يوم طويل مجهد في الكتابة والتفكير والنقد وهذه المهارات تستنزف طاقتك كاملة حتى مكالمة أهلي تصبح ثقيلة. بعد يوم طويل أحرص على تحضير وجبة صحية تجمعني مع أطفالي وأفرغ فيها طاقتي بالتركيز على تفاصيل لا علاقة لها بالعمل. لم أكن أعمل في نهاية الأسبوع بل أخصصه للعائلة إلا في بعض نهارات السبت استثناءً. حاولت أيضاً قدر المستطاع أن أعطي نفسي وقتاً مستقطعاً بعيداً عن الأطفال متى ما سمحت لي الفرصة. جعلت تقوية الجانب الإيماني وصحتي أولوية، فيتاميناتي ونوع أكلي إضافة إلى الحركة المستمرة خلال اليوم لأنني أدركت أهمية الجانب النفسي خلال المرحلة بالتجربة الصعبة. بالنسبة لي كان المشي ولو لنصف ساعة صباحاً والاستماع لكتاب قبل الانغماس في المهام الروتينية جرعة ايجابية مهمة حين لمست نتيجتها جعلتها ثابتة في جدولي في الحر والمطر وتحت أي ظرف إلا ما ندر. لا يهم ما تفعل المهم أن تفعل شيئاً لنفسك وبالنسبة لي، المشي واعداد وجبة افطار غنية كان كافياً لأحس بأنني على قيد الحياة.
مما ساعدني أيضاً المحافظة على طاقتي وانجازي البقاء على اتصال مع زميلاتي في الرحلة، وهذه نقطة معقدة نوعاً ما. تقابل في الابتعاث أشكالاً وألواناً من الناس وفي رحلة البحث عن سؤال الرسالة وأفضل طريقة للإجابة عليه تبحث أيضاً عن ناسك ومن يشبهك وأيمّا نعمة تكون حين تجدهم! اهرب من المتذمرين الشكائين البكائين وقلل قدر المستطاع احتكاكك بهم. ابحث عن المتفائلين الذين يحاولون الاستمتاع بالتجربة على صعوبتها وتمسك بصحبتهم. علمتني الغربة التمسك بعلاقاتي الجيدة وأهميتها لصحتي النفسية. جلسة ساعة مع صديقة كفيلة بشحن طاقتي لإنجاز أعمال الأسبوع كاملة وهو شيء لا يستهان به أبداً.
من الجانب الآخر
على قدر ما تعطي الكتابة ستأخذ منك ولو أعطيتها عمرك كله لأخذته. تذكر أن الهدف أن تسلم رسالة تحقق المطلوب من هذه المرحلة من الأصالة، التفكير النقدي والإلمام بالموضوع والفكرة القابلة للنشر وليس الهدف أبداً أن تسلم أطروحة مثالية خالية من الأخطاء”
منذ بداية السنة الأولى كنت واضحة مع نفسي: كيف أريد أن أنهي هذه المرحلة؟ بضغط نفسي وإرهاق جسدي وعقل منهك، أم بصحة جيدة ونفسية مستقرة وعقل مزدهر؟ لم تسر الرحلة دائماً كما خططت لها، واضطررت أكثر من مرة لإعادة ترتيب أولوياتي وطريقتي في العمل بحسب ما تسمح به الظروف. أخذتها يوماً بيوم، وطلبت المساعدة حين احتجتها، ولا أستطيع أن أذكر هذه الرحلة دون أن أذكر دور زوجي الجوهري في دعمي وتبسيط الكثير من الأمور لي.
ومع كل ما تعلمته عن تنظيم الوقت والعمل في المتاح، بقي الدرس الأعمق بالنسبة لي أن التخطيط والجهد ليسا كل شيء. قد يُهيأ للإنسان أن ما أوصله للنهاية هو حسن تدبيره، لكنها تدابير الله وتوفيقه أولاً. في رحلة مليئة بالأسئلة المفتوحة والتيه، كان التسليم لله والدعاء عوناً لا يقل أهمية عن أي خطة وضعتها، ولعل هذا من أهم ما خرجت به من تجربة الدكتوراة. لعلك تقرأ هذا السرد وأنت في عمق الكتابة، أو مقبل عليها، أو ربما على مشارف النهاية. في أي مرحلة كنت، أريد لهذا النص أن يذكّرك بأن الطريق، مهما بدا طويلاً، ينتهي. أحدث نفسي الآن بعد أن انتهت الرحلة بأن كثيراً من التوتر الذي عشته، والأفكار التي أرقت نومي، كانت أكبر من حقيقتها. لم تكن هناك إجابة سحرية لسؤال: كيف أكتب؟ كان هناك فقط إنجاز يومي بسيط، وساعات تتراكم، وطريقة تتغير مع الظروف حتى أصل إلى ما يناسبني.
تعلمت من هذه التجربة أن الدكتوراة ليست اختباراً للمعرفة فقط، بل اختبار جوهري للصبر وفهم الذات والثقة بالله. يصل الناس إلى النهاية بطرق مختلفة وتحت ظروف مختلفة، ولا توجد صيغة واحدة تضمن العبور. المهم أن تمضي في طريقك مخلصاً، وأن تطلب العون حين تحتاجه، وألا تجعل تجربة غيرك مقياساً لتجربتك. ابحث عن الطريقة التي تناسبك وظروفك، وخذ الأيام يوماً بيوم.
وإن كنت الآن في قلب الكتابة أو على أعتاب المناقشة، فأتمنى أن تصلك هذه الرسالة كما كنت أحتاجها أنا من قبل: الطريق قد يكون ثقيلاً، لكنه ممكن، وأنت أقرب إلى النهاية مما تظن.
